فخر الدين الرازي

123

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والرواية الثالثة : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : سألوه أن يحملهم على الدواب فقال عليه السلام : « لا أجد ما أحملكم عليه » لأن الشقة بعيدة . والرجل يحتاج إلى بعيرين ، بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده . قال صاحب « الكشاف » : قوله : تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً كقولك : تفيض دمعا ، وهو أبلغ من يفيض دمعها ، لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 93 إلى 94 ] إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 93 ) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 94 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ قال في هذه / الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا ، ثم الذين قالوا في الآية الأولى المراد ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ في أمر الغزو والجهاد ، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم . قالوا : السبيل الذي نفاه عن المحسنين ، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين ، وهو الذي يختص بالجهاد ، والمعنى : أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنونك في التخلف سبيل اللّه عليهم لازم ، وتكليفه عليهم بالذهاب إلى الغزو متوجه ، ولا عذر لهم البتة في التخلف . فإن قيل : قوله : رَضُوا ما موقعه ؟ قلنا : كأنه استئناف ، كأنه قيل : ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء . فقيل : رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعنى أن السبب في نفرتهم عن الجهاد ، هو أن اللّه طبع على قلوبهم ، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا . ثم قال : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ علة للمنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولا . فإذا علم بأن القوم يكذبونه فيه ، وجب عليه تركه . وقوله : قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ علة لانتفاء التصديق ، لأنه تعالى لما أطلع رسوله على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق ، امتنع أن يصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الأعذار . ثم قال : وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمعنى أنهم كانوا يظهرون من أنفسهم عند تقرير تلك المعاذير حبا للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين وشفقة عليهم ورغبة في نصرتهم ، فقال تعالى : وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ أنكم هل تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء ، أو لا تبقون عليها ؟ ثم قال : ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ . فإن قيل : لما قال : وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ فلم لم يقل ، ثم تردون إليه ، وما الفائدة من قوله : ثُمَّ .