فخر الدين الرازي
121
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه تعالى لما بين الوعيد في حق من يوهم العذر ، مع أنه لا عذر له ، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية ، وبين أن تكليف اللّه تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط ، وهم أقسام : القسم الأول : الصحيح في بدنه ، الضعيف مثل الشيوخ . ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفا نحيفا ، وهؤلاء هم المرادون بالضعفاء . والدليل عليه : أنه عطف عليهم المرضى ، والمعطوف مباين للمعطوف عليه ، فما لم يحمل الضعفاء على الذين ذكرناهم ، لم يتميزوا عن المرضى . وأما المرضى : فيدخل فيهم أصحاب العمى ، والعرج ، والزمانة ، وكل من كان موصوفا بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة . والقسم الثالث : الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة ، وهم الذين لا يجدون ما ينفقون ، لأن حضوره في الغزو إنما ينفع إذا قدر على الإنفاق على نفسه . أما من مال نفسه ، أو من مال إنسان آخر يعينه عليه ، فإن لم تحصل هذه القدرة ، صار كلا ووبالا على المجاهدين ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة قال : لا حرج على هؤلاء ، والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو ، وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج ، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة . إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم ، بشرط أن لا يجعل نفسه كلا ووبالا عليهم ، كان ذلك طاعة مقبولة . ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا التأخير شرطا معينا وهو قوله : إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف ، وعن إثارة الفتن ، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا ، إما بأن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم ، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم ، فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد . ثم قال تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وقد اتفقوا على أنه دخل تحت قوله تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ هو أنه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد ، واختلفوا في أنه هل يفيد العموم في كل الوجوه ؟ فمنهم من زعم أن اللفظ مقصور على هذا المعنى ، لأن هذه الآية نزلت فيهم ، ومنهم من زعم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والمحسن هو الآتي بالإحسان ، ورأس أبواب الإحسان ورئيسها ، هو قول : لا إله إلا اللّه ، وكل من قال هذه الكلمة واعتقدها ، كان من المسلمين . وقوله تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ يقتضي نفي جميع المسلمين ، فهذا بعمومه يقتضي أن الأصل في حال كل مسلم براءة الذمة ، وعدم توجه مطالبة الغير عليه في نفسه وماله ، فيدل على أن الأصل في نفسه حرمة القتل ، إلا لدليل منفصل ، والأصل في ماله حرمة الأخذ ، إلا لدليل منفصل ، وأن لا يتوجه عليه شيء من التكاليف ، إلا لدليل منفصل ، فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلا / معتبرا في الشريعة ، في تقرير أن الأصل براءة الذمة ، فإن ورد نص خاص يدل على وجوب حكم خاص ، في واقعة خاصة ، قضينا بذلك النص الخاص تقديما للخاص على العام ، وإلا فهذا النص