فخر الدين الرازي

118

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ذكرها على لفظ الدنيا تنبيها على كمال دناءتها ، فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ ، والعالم بحقائق القرآن هو اللّه تعالى . وأما المقام الثاني : وهو بيان حكمة التكرير فهو أن أشد الأشياء جذبا للقلوب وجلبا للخواطر ، إلى الاشتغال بالدنيا ، هو الاشتغال بالأموال والأولاد ، وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرة بعد أخرى ، إلا أنه لما كان أشد الأشياء في المطلوبية والمرغوبية للرجل المؤمن هو مغفرة اللّه تعالى ، لا جرم أعاد اللّه قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * في سورة النساء مرتين ، وبالجملة فالتكرير يكون لأجل التأكيد فههنا للمبالغة في التحذير ، وفي آية المغفرة للمبالغة في التفريح ، وقيل أيضا إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قوما من المنافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها ، وأراد بهذه الآية أقواما آخرين ، والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة ، لم يكن ذكره مع بعضهم مغنيا عن ذكره مع الآخرين . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 86 إلى 87 ] وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ( 86 ) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 87 ) واعلم أنه تعالى بين في الآيات المتقدمة أن المنافقين احتالوا في رخصة التخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والقعود عن الغزو ، وفي هذه الآية زاد دقيقة أخرى ، وهي أنه متى نزلت آية مشتملة على الأمر بالإيمان وعلى الأمر بالجهاد مع الرسول ، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو ، وقالوا لرسول اللّه ذرنا نكن مع القاعدين أي مع الضعفاء من الناس والساكنين في البلد . أما قوله : وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ ففيه أبحاث : البحث الأول : يجوز أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها ، كما يقع القرآن والكتاب على كله وبعضه ، وقيل المراد بالسورة هي سورة براءة ، لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد . البحث الثاني قوله أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ قال الواحدي : مزضع ( أن ) نصب بحذف حرف الجر . والتقدير بأن آمنوا أي الإيمان ؟ البحث الثالث : لقائل أن يقول كيف يأمر المؤمنين بالإيمان ، فإن ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال . أجابوا عنه : بأن معنى أمر المؤمنين بالإيمان الدوام عليه والتمسك به في المستقبل ، وأقول لا حاجة إلى هذا الجواب ، فإن الأمر متوجه عليهم ، وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن التقدير كأنه قيل للمنافقين الإقدام على الجهاد قبل الإيمان لا يفيد فائدة أصلا ، فالواجب عليكم أن تؤمنوا أولا ، ثم تشتغلوا بالجهاد ثانيا حتى يفيدكم اشتغالكم بالجهاد فائدة في الدين ، ثم حكى تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون ، فقال : اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ وفي أُولُوا الطَّوْلِ قولان : الأول : قال ابن عباس والحسن : المراد أهل السعة في المال : الثاني : قال الأصم : يعني الرؤساء والكبراء