فخر الدين الرازي

119

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المنظور إليهم ، وفي تخصيص أُولُوا الطَّوْلِ بالذكر قولان : الأول : أن الذم لهم ألزم لأجل كونهم قادرين على السفر والجهاد ، والثاني : أنه تعالى ذكر أولوا الطول لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان . ثم قال تعالى : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وذكرنا الكلام المستقصى في الخالف في قوله : فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ وهاهنا فيه وجهان : الأول : قال الفراء : الْخَوالِفِ عبارة عن النساء اللاتي تخلفن في البيت فلا يبرحن ، والمعنى : رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء . الثاني : يجوز أيضا أن يكون الخوالف جمع خالفة في حال . والخالفة الذي هو غير نجيب . قال الفراء : ولم يأت فاعل صيغة جمعه فواعل ، إلا حرفان : فارس وفوارس ، وهالك وهوالك ، والقول الأول أولى ، لأن أدل على القلة والذلة . قال المفسرون : وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف . ثم قال : وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ وقد عرفت أن الطبع والختم عبارة عندنا عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الإيمان ، وذلك لأن الفعل بدون الداعي لما كان محالا ، فعند حصول الداعية الراسخة القوية للكفر ، صار القلب كالمطبوع على الكفر ، ثم حصول تلك الداعية إن كان من العبد لزم التسلسل ، وإن كان من اللّه فالمقصود حاصل . وقال الحسن : الطبع عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان ، وعند المعتزلة عبارة عن علامة تحصل في القلب ، والاستقصاء فيه مذكور في سورة البقرة في قوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وقوله : فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ أي لا يفهمون أسرار حكمة اللّه في الأمر بالجهاد . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 88 إلى 89 ] لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 88 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 89 ) واعلم أنه تعالى لما شرح حال المنافقين في الفرار عن الجهاد بين أن حال الرسول والذين آمنوا معه بالضد منه ، حيث بذلوا المال والنفس في طلب رضوان اللّه والتقرب إليه . وقوله : لكِنِ فيه فائدة ، وهي : أن التقدير أنه إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو ، فقد توجه إليه من هو خير منهم ، وأخلص نية واعتقادا ، كقوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً [ الأنعام : 89 ] وقوله : فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [ فصلت : 38 ] ولما وصفهم بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع . وهو أنواع : أولها : قوله : وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ واعلم أن لفظ الخيرات ، يتناول منافع الدارين ، لأجل / أن اللفظ مطلق . وقيل : الْخَيْراتُ الحور ، لقوله تعالى : فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ [ الرحمن : 70 ] وثانيها : قوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فقوله : لَهُمُ الْخَيْراتُ المراد منه الثواب . وقوله : هُمُ الْمُفْلِحُونَ المراد منه التخلص من العقاب والعذاب . وثالثها : قوله : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يحتمل أن تكون هذه الجنات كالتفسير للخيرات وللفلاح ، ويحتمل أن تحمل تلك الخيرات والفلاح على منافع الدنيا ، مثل الغزو ، والكرامة ، والثروة ، والقدرة ، والغلبة ، وتحمل الجنات على ثواب الآخرة و الْفَوْزُ