فخر الدين الرازي

113

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بعشر أمثالها إلى سبعمائة » فلما ذكر اللّه تعالى هذا العدد في معرض التضعيف لرسوله صار أصلا فيه . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 81 إلى 82 ] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 ) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين ، وهو فرحهم بالعقود وكراهتهم الجهاد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك ، والمخلف المتروك ممن مضى . فإن قيل : إنهم احتالوا حتى تخلفوا ، فكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون . والجواب من وجوه : الأول : أن الرسول عليه السلام منع أقواما من الخروج معه لعلمه بأنهم يفسدون ويشوشون ، فهؤلاء كانوا مخلفين لا متخلفين . والثاني : أن أولئك المتخلفين صاروا مخلفين في الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، وهي قوله : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [ التوبة : 83 ] فلما منعهم اللّه تعالى من الخروج معه صاروا بهذا السبب مخلفين . الثالث : أن من يتخلف عن الرسول عليه السلام بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف من حيث لم ينهض فبقي وأقام . وقوله : بِمَقْعَدِهِمْ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : يريد المدينة ، فعلى هذا المقعد اسم للمكان . وقال مقاتل : بِمَقْعَدِهِمْ بقعودهم وعلى هذا ، هو اسم للمصدر . وقوله : خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ فيه قولان : الأول : وهو قول قطرب والمؤرج والزجاج ، يعني مخالفة لرسول اللّه حين سار وأقاموا . قالوا : وهو منصوب لأنه مفعول له ، والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والثاني : قال الأخفش : إن خِلافَ بمعنى خلف ، وأن يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه بعد رسول اللّه ، ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ خلف رسول اللّه وعلى هذا القول ، الخلاف اسم للجهة المعينة كالخلف ، والسبب فيه أن الإنسان متوجه إلى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة متوجها إليها ، وخلاف بمعنى خلف مستعمل أنشد أبو عبيدة للأحوص : عقب الربيع خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا وقوله : وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الذهاب إلى الغزو . واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهة الذهاب إلا أنه تعالى أعاده للتأكيد ، وأيضا لعل المراد أنه مال طبعه إلى الإقامة لأجل إلفه تلك البلدة واستئناسه بأهله وولده وكره الخروج إلى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والإهدار ، وأيضا مما منعهم من ذلك الخروج شدة الحر في وقت خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو المراد من قوله : وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ . فأجاب اللّه تعالى عن هذا السبب الأخير بقوله : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أي إن بعد هذه الدار دارا أخرى ، وإن بعد هذه الحياة حياة أخرى ، وأيضا هذه مشقة منقضية ، وتلك مشقة باقية ، وروى صاحب « الكشاف » لبعضهم :