فخر الدين الرازي

114

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مسرة أحقاب تلقيت بعدها * مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة * وراء تقضيها مساءة أحقاب ثم قال تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة ، والدليل عليه قوله بعد ذلك : جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ومعنى الآية أنهم ، وإن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم ، فهذا قليل لأن الدنيا بأسرها قليلة ، وأما حزنهم وبكاؤهم في الآخرة فكثير ، لأنه عقاب دائم لا ينقطع ، والمنقطع بالنسبة إلى الدائم قليل ، فلهذا المعنى قال : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً قال الزجاج : قوله : جَزاءً مفعول له ، والمعنى وليبكوا لهذا الغرض . وقوله : بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على كون العبد موجدا لأفعاله ، وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر إليهم ابتداء لا بواسطة كسبهم لكان ظالما ، مشهور ، وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مرارا تغني عن الإعادة . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 83 ] فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته ، لأن خروجهم معه يوجب أنواعا من الفساد . فقال : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ أي من المنافقين فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً قوله : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ يريد إن ردك اللّه إلى المدينة ، ومعنى الرجع مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه ، يقال رجعته رجعا كقولك رددته ردا . وقوله : إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين ، بل كان بعضهم مخلصين معذورين . وقوله : فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ أي للغزو معك فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً إلى غزوة ، وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم ، ومجري إظهار نفاقهم وفضائحهم ، وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام ، ثم إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان ، كان ذلك تصريحا بكونهم خارجين عن الإسلام / موصوفين بالمكر والخداع ، لأنه عليه السلام إنما منعهم من الخروج حذرا من مكرهم وكيدهم وخداعهم ، فصار هذا المعنى من هذا الوجه جاريا مجرى اللعن والطرد ، ونظيره قوله تعالى : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها إلى قوله : قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا [ الفتح : 15 ] ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله : إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ والمراد منه القعود عن غزوة تبوك ، يعني أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد ، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة ، فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم ، فعند ذلك لا نقبلكم ، ولا نلتفت إليكم ، وفي اللفظ بحث ذكره صاحب « الكشاف » ، وهو أن قوله : مرة في أَوَّلَ مَرَّةٍ وضعت موضع المرات ، ثم أضيف لفظ الأول إليها ، وهو دال على واحدة من المرات ، فكان الأولى أن يقال أولى مرة . وأجاب : عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال : عند أكبر النساء ، ولا يقال هند كبرى النساء . ثم قال تعالى : فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ذكروا في تفسير الخالف أقوالا : الأول : قال الأخفش وأبو عبيدة : الخالفون جمع . واحدهم خالف ، وهو من يخلف الرجل في قومه ، ومعناه مع الخالفين من الرجال