فخر الدين الرازي

112

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ كالدلالة على طلب القوم منه الاستغفار ، وقد حكيت ما روي فيه من الأخبار ، والأقرب في تعلق هذه الآية بما قبلها ما ذكره ابن عباس رضي اللّه عنهما أن الذين كانوا يلمزون هم الذين طلبوا الاستغفار ، فنزلت هذه الآية . المسألة الثالثة : من الناس من قال إن التخصيص بالعدد المعين ، يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه ، وهو مذهب القائلين بدليل الخطاب . قالوا : والدليل عليه أنه لما نزل قوله تعالى : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قال عليه السلام : « واللّه لأزيدن على السبعين » ولم ينصرف عنه حتى نزل قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [ المنافقون : 6 ] الآية فكف عنهم . ولقائل أن يقول : هذا الاستدلال بالعكس أولى ، لأنه تعالى لما بين للرسول عليه السلام أنه لا يغفر لهم البتة . ثبت أن الحال فيما وراء العدد المذكور مساو للحال في العدد المذكور ، وذلك يدل على أن التقييد بالعدد لا يوجب أن يكون الحكم فيما وراءه بخلافه . المسألة الرابعة : من الناس من قال : إن الرسول عليه السلام اشتغل بالاستغفار للقوم فمنعه اللّه منه ، ومنهم من قال : إن المنافقين طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لهم فاللّه تعالى نهاه عنه والنهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي مقدما على ذلك الفعل ، وإنما قلنا إنه عليه السلام ما اشتغل بالاستغفار لهم لوجوه : الأول : أن المنافق كافر ، وقد ظهر في شرعه عليه السلام أن الاستغفار للكافر لا يجوز . ولهذا السبب أمر اللّه رسوله بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام إلا في قوله لأبيه لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [ الممتحنة : 4 ] وإذا كان هذا مشهورا في الشرع فكيف يجوز الإقدام عليه ؟ الثاني : أن استغفار الغير للغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصرا على القبح والمعصية . الثالث : أن إقدامه على الاستغفار للمنافقين يجري مجرى إغرائهم بالإقدام على الذنب . الرابع : أنه تعالى إذا كان لا يجيبه إليه بقي دعاء الرسول عليه السلام مردودا عند اللّه ، وذلك يوجب نقصان منصبه . الخامس : أن هذا الدعاء لو كان مقبولا من الرسول لكان قليله مثل كثيره في حصول الإجابة . فثبت أن المقصود من هذا الكلام أن القوم لما طلبوا منه أن يستغفر لهم منعه اللّه منه ، وليس المقصود من ذكر هذا العدد تحديد المنع ، بل هو كما يقول القائل لمن سأله الحاجة : لو سألتني سبعين مرة لم أقضها لك ، ولا يريد بذلك أنه إذا زاد قضاها فكذا هاهنا ، والذي يؤكد ذلك / قوله تعالى في الآية : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ فبين أن العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وإن بلغ سبعين مرة ، كفرهم وفسقهم ، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين ، فصار هذا التعليل شاهدا بأن المراد إزالة الطمع في أن ينفعهم استغفار الرسول عليه السلام مع إصرارهم على الكفر ، ويؤكده أيضا قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ والمعنى أن فسقهم مانع من الهداية . فثبت أن الحق ما ذكرناه . المسألة الخامسة : قال المتأخرون من أهل التفسير ، السبعون عند العرب غاية مستقصاة لأنه عبارة عن جمع السبعة عشر مرات ، والسبعة عدد شريف لأن عدد السماوات والأرض والبحار والأقاليم والنجوم والأعضاء ، هو هذا العدد . وقال بعضهم : هذا العدد إنما خص بالذكر هاهنا لأنه روي أن النبي عليه السلام كبر على حمزة سبعين تكبيرة ، فكأنه قيل : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً بإزاء صلاتك على حمزة ، وقيل : الأصل فيه قوله تعالى : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] وقال عليه السلام : « الحسنة