فخر الدين الرازي
111
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أن إخراج المال لطلب مرضاة اللّه ، قد يكون واجبا كما في الزكوات وسائر الإنفاقات الواجبة وقد يكون نافلة ، وهو المراد من هذه الآية ، ثم الآتي بالصدقة النافلة قد يكون غنيا فيأتي بالكثير ، كعبد الرحمن بن عوف ، وعثمان بن عفان . وقد يكون فقيرا فيأتي بالقليل وهو جهد المقل ولا تفاوت بين البابين في استحقاق الثواب ، لأن المقصود من الأعمال الظاهرة كيفية النية واعتبار حال الدواعي والصوارف . فقد يكون القليل الذي يأتي به الفقير أكثر موقعا عند اللّه تعالى من الكثير الذي يأتي به الغني . ثم إن أولئك الجهال من المنافقين ما كان يتجاوز نظرهم عن ظواهر الأمور فعيروا ذلك الفقير الذي جاء بالصدقة القليلة ، وذلك التعيير يحتمل وجوها : الأول : أن يقولوا إنه لفقره محتاج إليه ، فكيف يتصدق به ؟ إلا أن هذا من موجبات الفضيلة ، كما قال تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] وثانيها : أن يقولوا أي أثر لهذا القليل ؟ وهذا أيضا جهل ، لأن هذا الرجل لما لم يقدر إلا عليه فإذا جاء به فقد بذل كل ما يقدر عليه فهو أعظم موقعا عند اللّه من عمل غيره ، لأنه قطع تعلق قلبه عما كان في يده من الدنيا ، واكتفى بالتوكل على المولى . وثالثها : أن يقولوا إن هذا الفقير إنما جاء بهذا القليل ليضم نفسه إلى الأكابر من الناس في هذا المنصب ، وهذا أيضا جهل ، لأن سعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين ، خير له من أن يسعى في أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة . وأما قوله : سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ فقد عرفت القانون في هذا الباب . وقال الأصم : المراد أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البر مع أنه لا يثيبهم عليها ، فكان ذلك كالسخرية . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 80 ] اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن عند نزول الآية الأولى في المنافقين ، قالوا : يا رسول اللّه استغفر لنا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سأستغفر لكم ، وأشتغل بالاستغفار لهم ، فنزلت هذه الآية ، فترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الاستغفار . وقال الحسن : كانوا يأتون رسول اللّه ، فيعتذرون إليه ويقولون إن أردنا إلا الحسنى وما أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ، فنزلت هذه الآية . وروى الأصم : أنه كان عبد اللّه بن أبي بن سلول إذا خطب الرسول . قام وقال هذا رسول اللّه أكرمه اللّه وأعزه ونصره ، فلما قام ذلك المقام بعد أحد قال له عمر : اجلس يا عدو اللّه ، فقد ظهر كفرك وجبهه الناس من كل جهة ، فخرج من المسجد ، ولم يصل فلقيه رجل من قومه . فقال له : ما صرفك ؟ فحكى القصة . فقال : ارجع إلى رسول اللّه يستغفر لك . فقال : ما أبالي أستغفر لي أو لم يستغفر لي فنزل وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ [ المنافقون : 5 ] وجاء المنافقون بعد أحد يعتذرون ويتعللون بالباطل أن يستغفر لهم . المسألة الثانية : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ وروى الشعبي قال : دعا عبد اللّه / بن عبد اللّه بن أبي بن سلول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جنازة أبيه فقال له عليه السلام : « من أنت ؟ » فقال : أنا الحباب بن عبد اللّه قال : بل أنت عبد اللّه بن عبد اللّه ، إن الحباب هو الشيطان ، ثم قرأ هذه الآية . قال القاضي : ظاهر