فخر الدين الرازي
110
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يفاوض فيه بعضهم بعضا فيما بينهم ، وهو مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما ، ونظيره قوله تعالى : وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا [ مريم : 52 ] وقوله : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [ يوسف : 80 ] وقوله : فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ . . . وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى [ المجادلة : 9 ] وقوله : إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [ المجادلة : 12 ] . إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى ، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال : ألم يعلموا أن اللّه يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر ؟ ثم قال : وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ والعلام مبالغة في العالم ، والغيب ما كان غائبا عن الخلق . والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء . فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات ، فيجب كونه عالما بما في الضمائر والسرائر ، فكيف يمكن الإخفاء منه ؟ ونظير لفظ علام الغيوب هاهنا قول عيسى عليه السلام : إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 116 ] فأما وصف اللّه بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق اللّه محال . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 79 ] الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) اعلم أن هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة ، وهو لمزهم من يأتي بالصدقات طوعا وطبعا . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطبهم ذات يوم وحث على أن / يجمعوا الصدقات ، فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وقال : كان لي ثمانية آلاف درهم ، فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة وهذه الأربعة أقرضتها ربي ، فقال : بارك اللّه لك فيما أعطيت وفيما أمسكت . قيل : قبل اللّه دعاء الرسول فيه حتى صالحت امرأته ناضر عن ربع الثمن على ثمانين ألفا ، وجاء عمر بنحو ذلك ، وجاء عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وسقا من تمر الصدقة ، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة ، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر ، وقال : آجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله ، فأخذت صاعين من تمر ، فأمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر ربي ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بوضعه في الصدقات . فقال المنافقون على وجه الطعن ما جاءوا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة . وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر ، واللّه غني عن صاعه ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، والكلام في تفسير اللمز مضى عند قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ والمطوعون المتطوعون ، والتطوع التنفل ، وهو الطاعة للّه تعالى بما ليس بواجب ، وسبب إدغام التاء في الطاء قرب المخرج . قال الليث : الجهد شيء قليل يعيش به المقل ، قال الزجاج : إِلَّا جُهْدَهُمْ وجهدهم بالضم والفتح . قال الفراء : الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم ، وحكى ابن السكيت عنه الفرق بينهما فقال الجهد الطاقة . تقول هذا جهدي أي طاقتي . إذا عرفت هذا فالمراد بالمطوعين في الصدقات ، أولئك الأغنياء الذين أتوا بالصدقات الكثيرة وبقوله : وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ أبو عقيل حيث جاء بالصاع من التمر . ثم حكى عن المنافقين أنهم يسخرون منهم ، ثم بين أن اللّه تعالى سخر منهم .