فخر الدين الرازي

418

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية . أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة ، أو المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل . لأنه قد كان ظاهراً لكل الناس أن محمداً وأصحابه على الحق ، فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن الفائدة ، والثاني باطل أيضاً ، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جمع من المحقين ، فلم يبق إلا القسم الثالث . وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن إجماعهم حجة ، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 182 إلى 183 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الأمة الهادية العادلة ، أعاد ذكر المكذبين بآيات اللَّه تعالى ، وما عليهم من الوعيد ، فقال : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وهذا يتناول جميع المكذبين ، وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما : المراد أهل مكة ، وهو بعيد ، لأن صفة العموم يتناول الكل ، إلا ما دل الدليل على خروجه منه . وأما قوله : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ فالاستدراج الاستفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال ، درجة بعد درجة ، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه ، وأدرج الكتاب طواه شيئاً بعد شيء ودرج القوم ، مات بعضهم عقيب بعضهم ، ويحتمل أن يكون هذا اللفظ مأخوذ من الدرج وهو لف الشيء وطيه جزأ فجزأ . إذا عرفت هذا فالمعنى سنقربهم إلى ما يهلكهم ، ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم ، وذلك لأنهم كلما أتوا بجرم أو أقدموا على ذنب فتح اللَّه عليهم باباً من أبواب النعمة والخير في الدنيا ، فيزدادون بطراً وانهماكاً في الفساد وتمادياً في الغي ، ويتدرجون في المعاصي بسبب ترادف تلك النعم ، ثم يأخذهم اللَّه دفعة واحدة على غرتهم أغفل ما يكون ، ولهذا قال عمر رضي اللَّه عنه لما حمل إليه كنوز كسرى : « اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فإني سمعتك تقول سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . ثم قال تعالى : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ الإملاء في اللغة الإمهال وإطالة المدة ونقيضه الإعجال والملي زمان طويل من الدهر ومنه قوله : وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [ مريم : 46 ] أي طويلًا . ويقال ملوة وملوة وملاوة من الدهر أي زمان طويل ، فمعنى وَأُمْلِي لَهُمْ أي أمهلهم وأطيل لهم مدة عمر هم ليتمادوا في المعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة على المعصية ليقلعوا عنها بالتوبة والإنابة . وقوله : إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ قال ابن عباس : يريد إن مكري شديد ، والمتين من كل شيء هو القوي يقال متن متانة . واعلم أن أصحابنا احتجوا في مسألة القضاء والقدر بهذه الألفاظ الثلاثة ، وهي الاستدراج والإملاء والكيد المتين ، وكلها تدل على أنه تعالى أراد بالعبد ما يسوقه إلى الكفر والعبد عن اللَّه تعالى ، وذلك ضد ما يقوله المعتزلة . أجاب أبو علي الجبائي ، بأن المراد من الاستدراج ، أنه تعالى استدرجهم إلى العقوبات حتى يقعوا فيها من حيث لا يعلمون ، استدراجاً لهم إلى ذلك حتى يقعوا فيه بغتة ، وقد يجوز أن يكون هذا العذاب في الدنيا كالقتل والاستئصال ، ويجوز أن يكون عذاب الآخرة . قال وقد قال بعض المجبرة المراد : سنستدرجهم إلى الكفر من حيث لا يعلمون . قال : وذلك فاسد ، لأن اللَّه تعالى أخبر بتقدم كفرهم ، فالذي يستدرجهم إليه فعل