فخر الدين الرازي
419
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مستقبل ، لأن السين في قوله : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يفيد الاستقبال ، ولا يجب أن يكون المراد : أن يستدرجهم إلى كفر آخر لجواز أن يميتهم قبل أن يوقعهم في كفر آخر ، فالمراد إذن : ما قلناه ، ولأنه تعالى لا يعاقب الكافر بأن يخلق فيه كفراً آخر ، والكفر هو فعله ، وإنما يعاقبه بفعل نفسه . وأما قوله : وَأُمْلِي لَهُمْ فمعناه : أني أبقيهم في الدنيا مع إصرارهم على الكفر ، ولا أعاجلهم بالعقوبة لأنهم لا يفوتونني ولا يعجزونني ، وهذا معنى قوله : إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ لأن كيده هو عذابه ، وسماه كيداً لنزوله بالعباد من حيث لا يشعرون . والجواب عنه من وجهين : الأول : أن قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ معناه : ما ذكرنا أنهم كلما زادوا تمادياً في الذنب والكفر ، زادهم اللَّه نعمة وخيراً في الدنيا ، فيصير فوزهم بلذات الدنيا سبباً لتماديهم في الإعراض عن ذكر اللَّه وبعداً عن الرجوع إلى طاعة اللَّه ، هذه حالة نشاهدها في بعض الناس ، وإذا كان هذا أمراً محسوساً مشاهداً فكيف يمكن إنكاره . الثاني : هب أن المراد منه الاستدراج إلى العقاب ، إلا أن هذا أيضاً يبطل القول بأنه تعالى ما أراد بعبده إلا الخير والصلاح ، لأنه تعالى لما علم أن هذا الاستدراج ، وهذا الإمهال مما قد يزيد به عتواًّ وكفراً وفساداً واستحقاق العقاب الشديد ، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك / الزيادات من العقوبة بل لكان يجب في حكمته ورعايته للمصالح أن لا يخلقه ابتداء صوناً له عن هذا العقاب ، أو أن يخلقه لكنه يميته قبل أن يصير في حد التكليف ، أو أن لا يخلقه إلا في الجنة ، صوناً له عن الوقوع في آفات الدنيا وفي عقاب الآخرة ، فلما خلقه في الدنيا وألقاه في ورطة التكليف . وأطال عمره ومكنه من المعاصي مع علمه بأن ذلك لا يفيد إلا مزيد الكفر والفسق واستحقاق العقاب ، علمنا أنه ما خلقه إلا للعذاب وإلا للنار ، كما شرحه في الآية المتقدمة ، وهي قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] وأنا شديد التعجب من هؤلاء المعتزلة ، فإنهم يرون القرآن كالبحر الذي لا ساحل له مملوءا من هذه الآيات والدلائل العقلية القاهرة القاطعة مطابقة لها ، ثم إنهم يكتفون في تأويلات هذه الآيات بهذه الوجوه الضعيفة والكلمات الواهية ، إلا أن علمي بأن ما أراده اللَّه كائن يزيل هذا التعجب . واللَّه أعلم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 184 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) واعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد المعرضين عن آياته ، الغافلين عن التأمل في دلائله وبيناته ، عاد إلى الجواب عن شبهاتهم . فقال : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ والتفكر طلب المعنى بالقلب وذلك لأن فكرة القلب هو المسمى بالنظر ، والتعقل في الشيء والتأمل فيه والتدبر له ، وكما أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة من الانكشاف والجلاء ، ولها مقدمة وهي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي : طلباً لتحصيل تلك الرؤية بالبصر ، فكذلك الرؤية بالبصيرة ، وهي المسماة بالعلم واليقين ، حالة مخصوصة في الانكشاف والجلاء ، ولها مقدمة وهي تقليب حدقة العقل إلى الجوانب ، طلباً لذلك الانكشاف والتجلي ، وذلك هو المسمى بنظر العقل وفكرته ، فقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أمر بالفكر والتأمل والتدبر والتروي لطلب معرفة الأشياء كما هي عرفاناً حقيقياً تاماً ، وفي اللفظ محذوف . والتقدير : أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة ، والجنة حالة من الجنون ، كالجلسة والركبة ودخول « من » في قوله : مِنْ جِنَّةٍ يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون .