فخر الدين الرازي

534

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قلنا : قد بينا في تفسير قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] أن المعلق على الشيء بكلمة ( إن ) لا يلزم من عدمه عدم ذلك الشيء ، فزال هذا السؤال ، ومن الناس من قال المعلق على الشيء بكلمة ( إن ) عدم عند عدم ذلك الشيء ، فههنا قال المواخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعاً ، فإن اللَّه تعالى شرطها في إثبات المواخاة ، ومن لم يكن أهلًا لوجوب الزكاة عليه ، وجب عليه أن يقر بحكمها ، فإذا أقر بهذا الحكم دخل في الشرط الذي به تجب الأخوة ، وكان / ابن مسعود يقول رحم اللَّه أبا بكر ما أفقهه في الدين ، أراد به ما ذكره أبو بكر في حق مانعي الزكاة ، وهو قوله واللَّه لا أفرق بين شيئين جمع اللَّه بينهما بقي في قوله : فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ بحثان : الأول : قوله : فَإِخْوانُكُمْ قال الفراء معناه ، فهم إخوانكم بإضمار المبتدأ كقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [ الأحزاب : 5 ] أي فهم إخوانكم . الثاني : قال أبو حاتم قال أهل البصرة أجمعون الأخوة في النسب والإخوان في الصداقة ، وهذا غلط يقال للأصدقاء ، وغير الأصدقاء أخوة وإخوان . قال اللَّه تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] ولم يعن النسب . وقال تعالى : أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ [ النور : 61 ] وهذا في النسب . قال ابن عباس : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة . ثم قال : وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قال صاحب « الكشاف » : وهذا اعتراض وقع بين الكلامين ، والمقصود الحث والتحريض على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين ، وعلى المحافظة عليها . ثم قال : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد أحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه ، ومنه قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً [ النحل : 92 ] والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف والقسم . وقيل : للحلف يمين ، وهو اسم اليد لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا . وقيل : سمي القسم يميناً ليمين البر فيه . فقوله : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ أي نقضوا عهودهم . وفيه قولان : الأول : وهو قول الأكثرين إن المراد نكثهم لعهد رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، والثاني : أن المراد حمل العهد على الإسلام بعد الإيمان ، فيكون المراد ردتهم بعد الإيمان ، ولذلك قرأ بعضهم وَإِنْ نَكَثُوا . أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ والأول أولى للقراءة المشهورة ، ولأن الآية وردت في ناقضي العهد لأنه تعالى صنفهم صنفين ، فإذا ميز منهم من تاب لم يبق إلا من أقام على نقض العهد . وقوله : وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ يقال طعنه بالرمح يطعنه ، وطعن بالقول السيء يطعن . قال الليث : وبعضهم يقول : يطعن بالرمح ، ويطعن بالقول : فيفرق بينهما ، والمعنى أنهم عابوا دينكم ، وقدحوا فيه . ثم قال : فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي متى فعلوا ذلك فافعلوا هذا ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أَئِمَّةَ الْكُفْرِ بهمزة واحدة غير ممدودة وتليين الثانية والباقون بهمزتين على التحقيق . قال الزجاج : الأصل في الأئمة أأمة ، لأنها جمع إمام ، مثل مثال وأمثلة ، لكن الميمين إذا اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية ، وألقيت حركتها على الهمزة ، فصارت أأمة ، فأبدلت من المكسورة الياء لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة . هذا هو / الاختيار عند جميع النحويين . إذا عرفت هذا فنقول : قال صاحب « الكشاف » : لفظة « أئمة » همزة بعدها همزة بين بين ، والمراد بين مخرج الهمزة والياء . أما بتحقيق الهمزتين فقراءة مشهورة . وإن لم تكن مقبولة عند البصريين . وأما التصريح