فخر الدين الرازي

535

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بالياء فليس بقراءة ، ولا يجوز أن يكون قراءة ، ومن صرح بها فهو لاحن محرف . المسألة الثانية : قوله : فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ معناه قاتلوا الكفار بأسرهم ، إلا أنه تعالى خص الأئمة والسادة منهم الذكر ، لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على هذه الأعمال الباطلة . المسألة الثالثة : قال الزجاج : هذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام ، لأن عهده مشروط بأن لا يطعن ، فإن طعن فقد نكث ونقض عهدهم . ثم قال تعالى : إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ قرأ ابن عامر لا أَيْمانَ لَهُمْ بكسر الألف ولها وجهان : أحدها : لا أمان لهم ، أي لا تؤمنوهم . فيكون مصدراً من الإيمان الذي هو ضد الإخافة ، والثاني : أنهم كفرة لا إيمان لهم ، أي لا تصديق ولا دين لهم ، والباقون بفتح الهمزة وهو جمع يمين ، ومعناه لا أيمان لهم على الحقيقة . وأيمانهم ليست بأيمان ، وبه تمسك أبو حنيفة رحمه اللَّه في أن يمين الكافر لا يكون يميناً ، وعند الشافعي رحمه اللَّه يمينهم يمين ، ومعنى هذه الآية عنده : أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان . والدليل على أن أيمانهم أيمان ، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ولو لم يكن منعقداً لما صح وصفها بالنكث . ثم قال تعالى : لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ وهو متعلق بقوله : فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون المقاتلة سبباً في انتهائهم عما هم عليه من الكفر ، وهذا من غاية كرم اللَّه وفضله على الإحسان . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 13 ] أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) اعلم أنه تعالى لما قال : فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [ التوبة : 12 ] أتبعه بذكر السبب الذي يبعثهم على مقاتلتهم فقال : أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا . واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد ، فكيف بها حال الاجتماع : أحدها : نكثهم العهد ، وكل المفسرين حمله على نقض العهد . قال ابن عباس والسدي والكلبي : نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية ، وأعانوا بني بكر على خزاعة وهذه الآية تدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجراً لغيرهم ، وثانيها : قوله : وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ فإن هذا من أوكد ما يجب القتال لأجله . واختلفوا فيه فقال بعضهم : المراد إخراجه من مكة حين هاجر . وقال بعضهم : بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل . وقال آخرون : بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد ، وإعانة أعدائه ، فأضيف الإخراج إليهم توسعاً لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه . وقوله : وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ إما بالفعل وإما بالعزم عليه ، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه ، وثالثها : قوله : وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني بالقتال يوم بدر ، لأنهم حين سلم العير قالوا : لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه . والقول الثاني : أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدءوا بنقض العهد ، وهذا قول الأكثرين ، وإنما قال : بَدَؤُكُمْ تنبيهاً على أن البادئ أظلم ، ولما شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها ، فقال : أَ تَخْشَوْنَهُمْ