فخر الدين الرازي
529
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فإن قالوا : لم كان حمل التخصيص أولى من حمل الكلام على اعتقاد وجوب الصلاة والزكاة ؟ قلنا : لأنه ثبت في أصول الفقه أنه مهما وقع التعارض بين المجاز وبين التخصيص ، فالتخصيص أولى بالحمل . المسألة الثانية : نقل عن أب بكر الصديق رضي اللَّه عنه أنه كان يقول : في مانعي الزكاة لا أفرق بين ما جمع اللَّه ، ولعل مراده كان هذه الآية ، لأنه تعالى لم يأمر بتخلية سبيلهم إلا لمن تاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، فأوجب مقاتلة أهل الردة لما امتنعوا من الزكاة وهذا بين إن جحدوا وجوبها أما إن أقروا بوجوبها وامتنعوا من الدفع إليه خاصة ، فمن الجائز أنه كان يذهب إلى وجوب مقاتلتهم من حيث امتنعوا من دفع الزكاة إلى الإمام . وقد كان مذهبه أن ذلك معلوم من دين الرسول عليه السلام كما يعلم سائر الشرائع الظاهرة . المسألة الثالثة : قد تكلمنا في حقيقة التوبة في سورة البقرة في قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [ البقرة : 37 ] روى الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع الرسول أتوب إلى اللَّه ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً ، فقال عليه السلام : عرف الحق لأهله فأرسلوه . المسألة الرابعة : قوله : فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ قيل إلى البيت الحرام ، وقيل إلى التصرف في مهماتهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب وآمن . وفيه لطيفة وهو أنه تعالى ضيق عليهم جميع الخيرات وألقاهم في جميع الآفات ، ثم بين أنهم لو تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فقد تخلصوا عن كل تلك الآفات في الدنيا ، فنرجو من فضل اللَّه أن يكون الأمر كذلك يوم القيامة أيضاً فالتوبة عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل ، والصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي وذلك يدل على أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 6 ] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم نقل عن ابن عباس أنه قال : إن رجلًا من المشركين قال لعلي بن أبي طالب إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام اللَّه أو لحاجة أخرى فهل نقتل ، فقال علي : « لا » إن اللَّه تعالى قال : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ أي فأمنه حتى يسمع كلام اللَّه ، وتقرير هذا الكلام : أن نقول : إنه تعالى لما أوجب بعد انسلاخ الأشهر / الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة اللَّه تعالى قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفى في إزاحة عذرهم وعلتهم ، وذلك يقتضي أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة لا يلتفت إليه ، بل يطالب إما بالإسلام وإما بالقتل ، فلما كان هذا الكلام واقعاً في القلب لا جرم ذكر اللَّه هذه الآية إزالة لهذه الشبهة ، والمقصود منه بيان أن الكافر إذا جاء طالباً للحجة والدليل أو جاء طالباً لاستماع القرآن ، فإنه يجب إمهاله ويحرم قتله ويجب إيصاله إلى مأمنه ، وهذا يدل على أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد ، ويدل أيضاً على أن النظر في دين اللَّه أعلى المقامات وأعلى الدرجات ، فإن الكافر الذي صار دمه مهدراً لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ، ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه .