فخر الدين الرازي

530

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثانية : أحد مرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر ، وتقديره : وإن استجارك أحد ، ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل لا يدخل على غيره . فإن قيل : لما كان التقدير ما ذكرتم فما الحكمة في ترك هذا الترتيب الحقيقي ؟ قلنا : الحكمة فيه ما ذكره سيبويه ، وهو أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه ، أعني وقد بينا هاهنا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشركين ، فقدم ذكره ليدل ذلك على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار ، قال الزجاج : المعنى إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام اللَّه فأجره . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن كلام اللَّه يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، فدل ذلك على أن كلام اللَّه ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، ثم من المعلوم بالضرورة أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة ، لأن تكلم اللَّه بهذه الحروف إما أن يكون معاً أو على الترتيب ، فإن تكلم بها معاً لم يحصل منه هذا الكلام المنتظم ، لأن الكلام لا يحصل منتظماً إلا عند دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب ، فلو حصلت معاً لا متعاقبة لما حصل الانتظام ، فلم يحصل الكلام . وأما إن حصلت متعاقبة ، لزم أن ينقضي المتقدم ويحدث المتأخر ، وذلك يوجب الحدوث ، فدل هذا عن أن كلام اللَّه محدث . قالوا : فإن قلتم إن كلام اللَّه شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات ؛ فهذا باطل لأن الرسول ما كان يشير بقوله كلام اللَّه إلا هذه الحروف والأصوات ، وأما الحشوية والحمقى من الناس ، فقالوا ثبت بهذه الآية أن كلام اللَّه ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، وثبت أن كلام اللَّه قديم ، فوجب القول بقدم الحروف والأصوات . واعلم أن الأستاذ أبا بكر بن فورك زعم أنا إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات فقد سمعنا مع ذلك كلام اللَّه تعالى وأما سائر الأصحاب فقد أنكروا عليه هذا القول ، وذلك لأن ذلك الكلام القديم إما أن يكون نفس هذه الحروف والأصوات ، وإما أن يكون شيئاً آخر مغايراً لها . والأول : هو قول الرعاع والحشوية وذلك لا يليق بالعقلاء . وأما الثاني : فباطل لأنا على هذا التقدير لما سمعنا هذه الحروف والأصوات ، فقد سمعنا شيئاً آخر يخالف ماهية هذه الحروف والأصوات ، لكنا نعلم بالضرورة أن عند سماع هذه الحروف والأصوات لم نسمع شيئاً آخر سواها ولم ندرك بحاسة السمع أمراً آخر مغايراً لها فسقط هذا الكلام . والجواب الصحيح عن كلام المعتزلة أن نقول : هذا الذي نسمعه ليس عين كلام اللَّه على مذهبكم ، لأن كلام اللَّه ليس إلا الحروف والأصوات التي خلقها أولًا ، بل تلك الحروف والأصوات انقضت وهذه التي نسمعها حروف وأصوات فعلها الإنسان ، فما ألزمتموه علينا فهو لازم عليكم . واعلم أن أبا علي الجبائي لقوة هذا الإلزام ارتكب مذهباً عجيباً فقال : كلام اللَّه شيء مغاير للحروف والأصوات وهو باق مع قراءة كل قارئ ، وقد أطبق المعتزلة على سقوط هذا المذهب واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين وأنه لا بد من النظر والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد كافياً ، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر ، بل يقال له إما أن تؤمن ، وإما أن