فخر الدين الرازي

504

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المؤمنين على القتال فإنه تعالى إنما يكفيك بالكفاية بشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة . فقال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء ، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجهاً آخر بعيداً ، فقال : التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثاً يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضاً ، والحارض الذي قارب الهلاك ، أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، كانوا حارضين ، أي هالكين . فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض . ثم قال : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وليس المراد منه الخبر بل المراد الأمر كأنه قال : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ والذي يدل على أنه ليس المراد من هذا الكلام الخبر وجوه : الأول : لو كان المراد منه الخبر ، لزم أن يقال : إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ، ومعلوم أنه باطل . الثاني : أنه قال الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [ الأنفال : 66 ] والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر . الثالث : قوله من بعد : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ الأنفال : 66 ] وذلك ترغيباً في الثبات على الجهاد ، فثبت أن المراد من هذا الكلام هو الأمر وإن كان وارداً بلفظ الخبر ، وهو كقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [ البقرة : 233 ] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [ البقرة : 228 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قاهراً على ذلك ، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء ؛ منها : أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً ، ومنها : أن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان ، ومنها : أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزاً إلى فئة ، فإن اللَّه استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة . واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى : حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلًا لأن من تكفل اللَّه بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه . المسألة الثانية : قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة ، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة ؟ وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة ، وكان رسول اللَّه يبعث السرايا ، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة ، فلهذا المعنى ذكر اللَّه هذين العددين . المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر إن تكن بالتاء ، وكذلك الذي بعده وإن تكن منكم مائة صابرة وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما . المسألة الرابعة : أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة ، وهو قوله : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ وتقرير هذا الكلام من وجوه :