فخر الدين الرازي
505
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الوجه الأول : أن من لا يؤمن باللَّه ولا يؤمن بالمعاد ، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية . ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال ، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها * وزناً ، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول . الوجه الثاني : أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم ، والمسلمون يستعينون بربهم بالدعاء والتضرع ، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى . الوجه الثالث : وهو وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات ، وهو أن كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيباً عند الخلق ، ولذلك إذا حضر الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء ، فإن أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه ، بل نقول : إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه ، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيباً ، وأيضاً الرجل الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة اللَّه تعالى ، فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه ، وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت . إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان اللَّه . فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال اللَّه فيقوى قلبه وتكمل روحه ويقدر على ما لا يقدر غيره عليه ، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من الكافر / فإن لم يحصل فذاك لأن ظهور هذا التجلي لا يحصل إلا نادراً وللفرد بعد الفرد . واللَّه أعلم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 66 ] الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 66 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : روي أنه صَلَّى اللّه عليه وسلّم كان يبعث العشرة إلى وجه المائة ، بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر إلى قوم فلقيهم أبو جهل في ثلاثمائة راكب وأرادوا قتالهم ، فمنعهم حمزة وبعث رسول اللَّه عبد اللَّه بن أنيس إلى خالد بن صفوان الهذلي وكان في جماعة ، فابتدر عبد اللَّه وقال : يا رسول اللَّه صفه لي ، فقال : « إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة وقد بلغني أنه جمع لي فأخرج إليه واقتله » قال : فخرجت نحوه فلما دنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي : من الرجل ؟ قلت له من العرب سمعت بك وبجمعك ؟ ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى الرسول صَلَّى اللّه عليه وسلّم وذكرت أني قتلته . فأعطاني عصا وقال : « أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة » ثم إن هذا التكليف شق على المسلمين فأزاله اللَّه عنهم بهذه الآية قال عطاء عن ابن عباس : لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون ، وقالوا : يا رب نحن جياع وعدونا شباع ، ونحن في غربة وعدونا في أهليهم ، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا وأولادنا وعدونا ليس كذلك ، وقال الأنصار : شغلنا بعدونا وواسينا إخواننا ، فنزل التخفيف ، وقال عكرمة : إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة ، والعشرة لمائة حال ما