فخر الدين الرازي
190
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الرابعة : قال بعضهم : التقدير بالعشرة ليس المراد منه التحديد بل أراد الأضعاف مطلقا كقول القائل لئن أسديت إلي معروفا لأكافئنك بعشر أمثاله وفي الوعيد يقال : لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشرا ولا يريد التحديد فكذا هاهنا . والدليل على أنه لا يمكن حمله على التحديد قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [ البقرة : 261 ] . ثم قال تعالى : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها اي الاجزاء يساويها ويوازيها . روى أبو ذر ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « ان اللّه تعالى قال الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو عفو فالويل لمن غلب آحاده أعشاره » و قال صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « يقول اللّه إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وان لم يعملها فان عملها فعشر أمثالها وان هم بسيئة فلا تكتبوها وان عملها فسيئة واحدة » وقوله : وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ اي لا ينقص من ثواب طاعتهم ولا يزاد على عقاب سيئاتهم في الآية سؤالات : السؤال الأول : كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ . جوابه : انه كان الكافر على عزم انه لو عاش ابدا لبقي على ذلك الاعتقاد ابدا فلما كان ذلك العزم مؤبدا عوقب بعقاب الأبد خلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب فلا جرم كانت عقوبته منقطعة . السؤال الثاني : اعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلا عن صيام ستين يوما وهو في كفارة الظهار وتارة جعل بدلا عن صيام أيام قلائل وذلك يدل على أن المساواة غير معتبرة . جوابه : ان المساواة انما تحصل بوضع الشرع وحكمه . السؤال الثالث : إذا أحدث في رأس انسان موضحتين : وجب فيه ارشان فان رفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب فالمساواة غير معتبرة . وجوابه : ان ذلك من تعبدات الشرع وتحكماته . السؤال الرابع : انه يجب في مقابلة تفويت أكثر كل واحد من الأعضاء دية كاملة ثم إذا قتله وفوت كل الأعضاء وجبت دية واحدة وذلك يمتنع القول من رعاية المماثلة . جوابه : انه من باب تحكمات الشريعة . واللّه اعلم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 161 ] قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) اعلم أنه تعالى لما علم رسوله أنواع دلائل التوحيد والرد على القائلين بالشركاء والأنداد والاضداد وبالغ في تقرير اثبات التوحيد والرد على القائلين بالشركاء والأنداد والاضداد وبالغ في تقرير اثبات التوحيد والنافين للقضاء والقدر ورد على أهل الجاهلية في أباطيلهم امره ان يختم الكلام بقوله : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وذلك يدل على أن الهداية لا تحصل الا باللّه وانتصب دينا لوجهين : أحدهما : على البدل من محل صراط لان معناه هداني ربي صراطا مستقيما كما قال : وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [ الفتح : 2 ] والثاني : ان يكون التقدير الزموا دينا وقوله : فيما قال صاحب « الكشاف » القيم فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم وقرا أهل الكوفة قيما مكسورة القاف خفيفة الياء قال الزجاج : هو مصدر بمعنى القيام كالصغر