فخر الدين الرازي
191
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والكبر والحول والشبع والتأويل دينا ذا قيم ووصف الدين بهذا الوصف على سبيل المبالغة وقوله : مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً فقوله : مِلَّةَ بدل من قوله : دِيناً قِيَماً وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم والمعنى هداني ربي وعرفني ملة إبراهيم حال كونها موصوفة بالحنيفية ثم قال في صفة إبراهيم : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ والمقصود منه الرد على المشركين . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 162 إلى 163 ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) اعلم أنه تعالى كما عرفه الذين المستقيم عرفه كيف يقوم به ويؤديه فقوله : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي / وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يدل على أنه يؤديه مع الإخلاص وأكده بقوله : لا شَرِيكَ لَهُ وهذا يدل على أنه لا يكفي في العبادات ان يؤتى بها كيف كانت بل يجب ان يؤتى بها مع تمام الإخلاص وهذا من أقوى الدلائل على أن شرط صحة الصلاة ان يؤتى بها مقرونة بالإخلاص . اما قوله : وَنُسُكِي فقيل المراد بالنسك الذبيحة بعينها يقول : من فعل كذا فعليه نسك اي دم يهريقه وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [ الكوثر : 2 ] وروى ثعلب عن ابن الاعرابي أنه قال : النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة وقيل : للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث وعلى هذا التأويل فالنسك كل ما تقربت به إلى اللّه تعالى الا ان الغالب عليه في العرف الذبح وقوله : وَمَحْيايَ وَمَماتِي اي حياتي وموتي لله . واعلم أنه تعالى قال : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فاثبت كون الكل للّه والمحيا والممات ليسا للّه بمعنى انه يؤتى بهما لطاعة اللّه تعالى فان ذلك محال بل معنى كونهما للّه انهما حاصلان بخلق اللّه تعالى فكذلك ان يكون كون الصلاة والنسك للّه مفسرا بكونهما واقعين بخلق اللّه وذلك من أدل الدلائل على أن طاعات العبد مخلوقة للّه تعالى . وقرا نافع مَحْيايَ ساكنة الياء ونصبها في مماتي واسكان الياء في محياي شاذ غير مستعمل لان فيه جمعا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحد في نثر ولا نظم ومنهم من قال : انه لغة لبعضهم وحاصل الكلام انه تعالى امر رسوله ان يبين ان صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق اللّه تعالى وتقديره وقضاءه وحكمه ثم نص على أنه لا شريك له في الخلق والتقدير : ثم يقول وبذلك أمرت اي وبهذا التوحيد أمرت . ثم يقول : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ اي المستسلمين لقضاء اللّه وقدره ومعلوم انه ليس أولا لكل مسلم ، فيجب ان يكون المراد كونه أولا لمسلمي زمانه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 164 ] قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 164 ) اعلم أنه تعالى لما امر محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلّم بالتوحيد المحض وهو ان يقول : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي إلى قوله : لا شَرِيكَ لَهُ امره بان يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد وتقريره من وجهين : الأول : ان