فخر الدين الرازي
54
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
انتسبا إلى رسول اللَّه بالأم وجب كونهما من ذريته ، ويقال : إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف . المسألة السادسة : قوله تعالى : وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ يفيد أحكاما كثيرة : الأول : أنه تعالى ذكر الآباء والذريات والاخوان ، فالآباء هم الأصول ، والذريات هم الفروع ، والاخوان فروع الأصول ، وذلك يدل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة ، والثاني : أنه تعالى قال : وَمِنْ آبائِهِمْ وكلمة « من » للتبعيض . فإن قلنا : المراد من تلك الهداية الهداية إلى الثواب والجنة والهداية إلى الإيمان والمعرفة ، فهذه الكلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا وأصل إلى الجنة . أما لو قلنا : المراد بهذه الهداية النبوة لم يفد ذلك . الثالث : أنا إذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة كان / قوله : وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ كالدلالة على أن شرط كون الإنسان رسولا من عند اللَّه أن يكون رجلا ، وأن المرأة لا يجوز أن تكون رسولا من عند اللَّه تعالى ، وقوله تعالى بعد ذلك : وَاجْتَبَيْناهُمْ يفيد النبوة ، لأن الاجتباء إذا ذكر في حق الأنبياء عليهم السلام لا يليق به إلا الحمل على النبوة والرسالة . ثم قال تعالى : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه اللَّه تعالى عن الشرك ، لأنه قال بعده : وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 88 ] وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جاريا مجرى الأمر المضاد للشرك . وإذا ثبت أن المراد بهذا الهدى معرفة اللَّه بوحدانيته . ثم إنه تعالى صرح بأن ذلك الهدى من اللَّه تعالى ، ثبت أن الإيمان لا يحصل إلا يخلق اللَّه تعالى ، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بنفي الشرك فقال : وَلَوْ أَشْرَكُوا والمعنى أن هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم طاعاتهم وعباداتهم . والمقصود منه تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك . وأما الكلام في حقيقة الإحباط فقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة . واللَّه أعلم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 89 ] أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 ) [ في قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ] اعلم أن قوله : أُولئِكَ إشارة إلى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم اللَّه تعالى قبل ذلك ، ثم ذكر تعالى أنه آتاهم الكتاب والحكم والنبوة . واعلم أن العطف يوجب المغايرة ، فهذه الألفاظ الثلاثة لا بد وأن تدل على أمور ثلاثة متغايرة . واعلم أن الحكام على الخلق ثلاث طوائف : أحدها : الذين يحكمون على بواطن الناس وعلى أرواحهم ، وهم العلماء . وثانيها : الذين يحكمون على ظواهر الخلق ، وهم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر والسلطنة ، وثالثها : الأنبياء ، وهم الذين أعطاهم اللَّه تعالى من العلوم والمعارف ما لأجله بها يقدرون على التصرف في بواطن الخلق وأرواحهم ، وأيضا أعطاهم من القدرة والممكنة ما لأجله / يقدرون على التصرف في