فخر الدين الرازي
55
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ظواهر الخلق ، ولما استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الإطلاق . إذا عرفت هذه المقدمة فقوله : آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير وقوله : وَالْحُكْمَ إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكاما على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر . وقوله : وَالنُّبُوَّةَ إشارة إلى المرتبة الثالثة ، وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على حصولها حصول المرتبتين المقدمتين المذكورتين ، وللناس في هذه الألفاظ الثلاثة تفسيرات كثيرة ، والمختار عندنا ما ذكرناه . واعلم أن قوله : آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يحتمل أن يكون المراد من هذا الإيتاء الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف إبراهيم وتوراة موسى ، وإنجيل عيسى عليه السلام ، وقرآن محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم . ويحتمل أن يكون المراد منه أن يؤتيه اللَّه تعالى فهما تاما لما في الكتاب وعلما محيطا بحقائقه وأسراره ، وهذا هو الأولى . لأن الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ما أنزل اللَّه تعالى على كل واحد منهم كتابا إليها على التعيين والتخصيص . [ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ] ثم قال تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ والمراد فان يكفر بهذا التوحيد والطعن في الشرك كفار قريش فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك القوم من هم ؟ على وجوه ، فقيل : هم أهل المدينة وهم الأنصار ، وقيل : المهاجرون والأنصار ، وقال الحسن : هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم وهو اختيار الزجاج : قال الزجاج : والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وقال أبو رجاء : يعني الملائكة وهو بعيد لأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم ، وقال مجاهد هم الفرس ، وقال ابن زيد : كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكا أو نبيا أو من الصحابة أو من التابعين . المسألة الثانية : قوله تعالى : فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يدل على أنه إنما خلقهم للإيمان . وأما غير هم فهو تعالى ما خلقهم للإيمان ، لأنه تعالى لو خلق الكل للإيمان كان البيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركا فيه بين المؤمن وغير المؤمن ، وحينئذ لا يبقى لقوله : فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ معنى ! . وأجاب الكعبي عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى زاد المؤمنين عند إيمانهم وبعده من ألطافه وفوائده وشريف أحكامه ما لا يحصيه إلا اللَّه ، وذكر في الجواب وجها ثانيا ، فقال : / وبتقدير : أن يسوى لكان بعضهم إذا قصر ولم ينتفع صح أن يقال بحسب الظاهر أن لم يحصل له نعم اللَّه كالوالد الذي يسوي بين الولدين في العطية ، فإنه يصح أن يقال : إنه أعطى أحدهما دون الآخر إذا كان ذلك الآخر ضيعه وأفسده . واعلم أن الجواب الأول ضعيف ، لأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشتركة فيما بين الكافر والمؤمن ؛ والتخصيص عند المعتزلة غير جائز ، والثاني : أيضا فاسد . لأن الوالد لما سوى بين الولدين في العطية ، ثم إن أحدهما ضيع نصيبه ، فأي عاقل يجوز أن يقال أن الأب ما أنعم عليه ، وما أعطاه شيئا . المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه تعالى سينصر نبيه ويقوي دينه ، ويجعله مستعليا على كل من عاداه ، قاهرا لكل من نازعه ، وقد وقع هذا الذي أخبر اللَّه تعالى عنه في هذا الموضع ، فكان هذا جاريا مجرى الأخبار عن الغيب ، فيكون معجزا . واللَّه أعلم .