فخر الدين الرازي
51
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وأما معنى حَكِيمٌ عَلِيمٌ فالمعنى أنه إنما يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم ، لا بموجب الشهوة والمجازفة . فإن أفعال اللَّه منزهة عن العبث والفساد والباطل . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 84 إلى 88 ] وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 86 ) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة اللَّه تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه . فأولها : قوله : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها وأوقفنا عقله على حقيقتها . وذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك . فعلنا ، وقلنا ، وذكرنا . ولما ذكر نفسه تعالى هاهنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة ، وذلك يدل على أن إيتاء اللَّه تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم ، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب . وثانيها : أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة . وهي قوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وثالثها : أنه جعله عزيزا في الدنيا ، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله ، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة ، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك ، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم اللَّه على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد ، فقال : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ لصلبه وَيَعْقُوبَ بعده من إسحاق . فإن قالوا : لم لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق ، بل أخر ذكره عنه بدرجات ؟ قلنا : لأن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل ، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب . وأما إسماعيل فإنه / ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في هذا المقام ، لأنه تعالى أمر محمدا عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك باللَّه بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه اللَّه النعم العظيمة في الدين والدنيا ، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه اللَّه أولادا كانوا أنبياء وملوكا ، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض ، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق . وأما قوله : وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب ، وذلك لأنه رزقه أولادا مثل إسحاق ، ويعقوب . وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما ، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل