فخر الدين الرازي
52
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
نوح . وإدريس ، وشيث . فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء . أما قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ فقيل المراد ومن ذرية نوح ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن نوحا أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب . الثاني : أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطا وهو كان ابن أخ إبراهيم وما كان من ذريته ، بل كان من ذرية نوح عليه السلام ، وكان رسولا في زمان إبراهيم . الثالث : أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته ، فعلى هذا إسماعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم ، بل هو من ذرية نوح عليه السلام . الرابع : قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام ، وكان من ذرية نوح عليه السلام . والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام ، والتقدير : ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان . واحتج القائلون بهذا القول : بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر اللَّه تعالى نوحا لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم . واعلم أنه تعالى ذكر أولا أربعة من الأنبياء ، وهم : نوح ، وإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب . ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء : داود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهارون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، وإسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوطا ، والمجموع ثمانية عشر . فإن قيل : رعاية الترتيب واجبة ، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة ، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه ؟ قلنا : الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل هاهنا مع أنه لا يفيد الترتيب البتة ، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان / وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب ، وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل . فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق : الملك والسلطان والقدرة ، واللَّه تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيبا عظيما . والمرتبة الثانية : البلاء الشديد والمحنة العظيمة ، وقد خص اللَّه أيوب بهذه المرتبة والخاصية . والمرتبة الثالثة : من كان مستجمعا لهاتين الحالتين ، وهو يوسف عليه السلام ، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر ، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر . والمرتبة الرابعة : من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وتخصيص اللَّه تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام ، وذلك كان في حق موسى وهارون . والمرتبة الخامسة : الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا ، وترك مخالطة الخلق ، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ، ولهذا السبب وصفهم اللَّه بأنهم من الصالحين . والمرتبة السادسة : الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع ، وهم إسماعيل ، واليسع ،