فخر الدين الرازي

50

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : وَتِلْكَ إشارة إلى كلام تقدم وفيه وجوه : الأول : أنه إشارة إلى قوله : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ والثاني : أنه إشارة إلى أن القوم قالوا له : أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لأجل أنك شتمتهم . فقال لهم : أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتهم على الشرك باللَّه وسويتم في العبادة بين خالق العالم ومدبره وبين الخشب المنحوت والصنم المعمول ؟ والثالث : أن المراد هو الكل . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : وَتِلْكَ مبتدأ وقوله : حُجَّتُنا خبره وقوله : آتَيْناها إِبْراهِيمَ صفة لذلك الخبر . المسألة الثانية : قوله : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء اللَّه وبإظهاره تلك الحجة في عقله ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق اللَّه تعالى . ويتأكد هذا أيضا بقوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ فإن المراد أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة ، ولو كان حصول العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل إبراهيم لا من قبل اللَّه تعالى لكان إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع درجات نفسه / وحينئذ كان قوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ باطلا . فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى والضلال . المسألة الثالثة : هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في الطعن في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل . لأنه تعالى أثبت لإبراهيم عليه السلام حصول الرفعة والفوز بالدرجات العالية ، لأجل أنه ذكر الحجة في التوحيد وقررها وذب عنها وذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة والرسالة أعلى وأشرف من هذه المرتبة . المسألة الرابعة : قرأ عاصم وحمزة والكسائي دَرَجاتٍ بالتنوين من غير إضافة والباقون بالإضافة ، فالقراءة الأولى معناها : نرفع من نشاء درجات كثيرة ، فيكون « من » في موضع النصب . قال ابن مقسم : هذه القراءة أدل على تفضيل بعضهم على بعض في المنزلة والرفعة . وقال أبو عمرو : الإضافة تدل على الدرجة الواحدة وعلى الدرجات الكثيرة والتنوين لا يدل إلا على الدرجات الكثيرة . المسألة الخامسة : اختلفوا في تلك الدرجات . قيل : درجات أعماله في الآخرة ، وقيل : تلك الحجج درجات رفيعة ، لأنها توجب الثواب العظيم . وقيل : نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة ، وفي الآخرة بالجنة والثواب . وقيل : نرفع درجات من نشاء بالعلم . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال السعادة في الصفات الروحانية وفي البعد عن الصفات الجسمانية . والدليل عليه : أنه تعالى قال : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ . ثم قال بعده : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو إيتاء تلك الحجة ، وهذا يقتضي أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة واطلاعها على إشراقها اقتضت ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني ، إلى أعالي العالم الروحاني ، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا في الروحانيات . واللَّه أعلم .