فخر الدين الرازي

111

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بد وأن تكون بخلق اللّه تعالى ، ولا معنى لتلك الداعية الا علمه واعتقاده أو ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد ، ومصلحة راجحة ، وإذا كانت تلك الداعية حصلت بفعل اللّه تعالى ، وتلك الداعية لا معنى لها الا كونه معتقدا لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد ، والمصلحة الراجحة . ثبت انه يمتنع ان يصدر عن العبد فعل ، ولا قول ولا حركة ولا سكون ، الا إذا زين اللّه تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده ، وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرا وجهلا ، والعلم بذلك ضروري بل انما يختاره لاعتقاده كونه ايمانا وعلما وصدقا وحقا فلو لا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل . الثاني : ثم انا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ذلك / الجهل السابق ، فإن كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم ان يستمر ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال ، ولما كان ذلك باطلا وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه اللّه تعالى فيه ابتداء ، وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه ايمانا وحقا وعلما وصدقا ، فثبت انه يستحيل من الكافر اختيار الجهل والكفر الا إذا زين اللّه تعالى ذلك الجهل في قلبه ، فثبت بهذين البرهانين القاطعين القطعيين ان الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي لا محيد عنه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها ، لأن المصير إلى التأويل انما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره . اما لما قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر ، فقد سقطت هذه التكليفات بأسرها واللّه اعلم . وأيضا فقوله تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ بعد قوله : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ مشعر بأن اقدامهم على ذلك المنكر انما كان بتزيين اللّه تعالى . فأما ان يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال الصالحة في قلوب الأمم ، فهذا كلام منقطع عما قبله ، وأيضا فقوله : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة ، فتخصيص هذا الكلام بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم ، واما سائر التأويلات ، فقد ذكرها صاحب « الكشاف » : وسقوطها لا يخفى ، واللّه اعلم . اما قوله تعالى : ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فالمقصود منه ان أمرهم مفوض إلى اللّه تعالى ، وان اللّه تعالى عالم بأحوالهم . مطلع على ضمائرهم . ورجوعهم يوم القيامة إلى اللّه فيجازي كل أحد بمقتضى عمله ان خيرا فخير ، وان شرا فشر . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 109 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار شبهة توجب الطعن في نبوته ، وهي قولهم ان هذا القرآن انما جئتنا به لأنك تدارس العلماء ، وتباحث الأقوام الذين عرفوا التوراة والإنجيل . ثم تجمع هذه السور وهذه الآيات بهذا الطريق . ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بما سبق ، وهذه الآية مشتملة على شبهة أخرى وهي قولهم له ان هذا القرآن كيفما كان امره ، فليس من جنس المعجزات البتة ، ولو / انك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لأنا بك ، وحلفوا على ذلك وبالغوا في تأكيد ذلك الحلف ، فالمقصود من هذه الآية تقرير هذه الشبهة وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : انما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان :