فخر الدين الرازي
110
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ [ الأحزاب : 57 ] وثالثها : انه ربما كان في جهالهم من كان يعتقد ان شيطانا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة ، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك الشيطان بأنه اله محمد عليه الصلاة والسلام فكان يشتم اله محمد بناء على هذا التأويل . المسألة الثانية : لقائل ان يقول : ان شتم الأصنام من أصول الطاعات ، فكيف يحسن من اللّه تعالى ان ينهى عنها . والجواب : ان هذا الشتم ، وان كان طاعة . الا انه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم ، وجب الاحتراز منه ، والأمر هاهنا كذلك ، لأن هذا الشتم كان يستلزم اقدامهم على شتم اللّه وشتم رسوله ، وعلى فتح باب السفاهة ، وعلى تنفير هم عن قبول الدين ، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم ، فلكونه مستلزما لهذه المنكرات ، وقع النهي عنه . المسألة الثالثة : قرا الحسن : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بضم العين وتشديد الواو ، ويقال : عدا فلان عدوا وعدوا وعدوانا وعدا . اي ظلم ظلما جاوز القدر . قال الزجاج : وعدوا منصوب على المصدر ، لأن المعنى فيعدوا عدوا . قال ويجوز ان يكون بإرادة اللام ، والمعنى : فينسبوا اللّه للظلم . المسألة الرابعة : قال الجبائي : دلت هذه الآية على أنه لا يجوز ان يفعل بالكفار ما يزدادون به بعدا عن الحق ونفورا . إذ لو جاز ان يفعله لجاز ان يأمر به ، وكان لا ينهى عما ذكرنا ، وكان لا يأمر بالرفق بهم عند الدعاء . كقوله لموسى وهارون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] وذلك يبين بطلان مذهب المجبرة . المسألة الخامسة : قالوا هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر ، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر ، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين ، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب ، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في الهيتها ، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها . واما قوله تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ فاحتج أصحابنا بهذا على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر ، وللمؤمن الايمان ، وللعاصي المعصية ، وللمطيع الطاعة . قال الكعبي : حمل الآية على هذا المعنى محال ، لأنه تعالى هو الذي يقول : الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ [ محمد : 25 ] ويقول : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [ البقرة : 257 ] ثم إن القوم ذكروا في الجواب وجوها : الأول : قال الجبائي : المراد زينا لكل أمة تقدمت ما امرناهم به من قبول الحق والكعبي أيضا ذكر عين هذا الجواب فقال : المراد انه تعالى زين لهم ما ينبغي ان يعلموا وهم لا ينتهون . الثاني : قال آخرون : المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم ، اي خليناهم وشأنهم وامهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم . والثالث : أمهلنا الشيطان حتى زين لهم ، والرابع : زيناه في زعمهم وقولهم : ان اللّه أمرنا بهذا وزينه لنا . هذا مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلي القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص ، وذلك لأنا بينا غير مرة ان صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي . وبينا ان تلك الداعية لا