فخر الدين الرازي

411

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ والغلو نقيض التقصير . ومعناه الخروج عن الحد ، وذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط ، ودين اللَّه بين الغلو والتقصير . وقوله غَيْرَ الْحَقِّ صفة المصدر ، أي / لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق ، أي غلوا باطلا ، لأن الغلو في الدين نوعان : غلو حق ، وهو أن يبالغ في تقريره وتأكيده ، وغلو باطل وهو أن يتكلف في تقرير الشبه وإخفاء الدلائل ، وذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم اللَّه نسبوه إلى الزنا . وإلى أنه كذاب ، والنصارى ادعوا فيه الإلهية . ثم قال تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الأهواء هاهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة . قال الشعبي : ما ذكر اللَّه لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه . قال : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ ص : 26 ] وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى [ طه : 16 ] وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [ النجم : 3 ] أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] قال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر . لا يقال : فلان يهوى الخير ، إنما يقال : يريد الخير ويحبه . وقال بعضهم : الهوى إله يعبد من دون اللَّه . وقيل : سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار ، وأنشد في ذم الهوى : إن الهوى لهو الهوان بعينه * فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال رجل لا بن عباس : الحمد للَّه الذي جعل هواي على هواك ، فقال ابن عباس : كل هوى ضلالة . المسألة الثانية : أنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال ، فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم ، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى أنهم الآن ضالون كما كانوا ، ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من اللَّه والقرب من عقاب اللَّه تعالى من هذه الحالة . نعوذ باللَّه منها ، ويحتمل أن يكون المراد : أنهم ضلوا وأضلوا ، ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق ، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الأول الضلال عن الدين ، وبالضلال الثاني الضلال عن طريق الجنة . واعلم أنه تعالى لما خاطب أهل الكتاب بهذا الخطاب وصف أسلافهم فقال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 78 ] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . قال أكثر المفسرين : يعني أصحاب السبت ، وأصحاب المائدة . أما أصحاب السبت فهو أن قوم داود ، وهم أهل « أيلة » لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان على ما ذكر اللَّه تعالى هذه القصة في سورة الأعراف قال داود : اللّهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة ، وأما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى : اللّهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير ، وكانوا / خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي . قال بعض العلماء : إن اليهود كانوا يفتخرون بأنا من أولاد الأنبياء ، فذكر اللَّه تعالى هذه الآية لتدل على