فخر الدين الرازي
412
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء . وقيل : أن داود وعيسى عليهما السلام بشرا بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم ، ولعنا من يكذبه ، وهو قول الأصم . ثم قال تعالى : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ والمعنى أن ذلك اللعن كان بسبب أنهم يعصون ويبالغون في ذلك العصيان . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 79 ] كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) ثم أنه تعالى فسّر المعصية والاعتداء بقوله كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ وللتناهي هاهنا معنيان : أحدهما : وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي ، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضا ، روى ابن مسعود عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم » . والمعنى الثاني في التناهي : أنه بمعنى الانتهاء . يقال : انتهى عن الأمر ، وتناهى عنه إذا كف عنه . ثم قال تعالى : لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ اللام في لَبِئْسَ لام القسم ، كأنه قال : أقسم لبئس ما كانوا يفعلون ، وهو ارتكاب المعاصي والعدوان ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإن قيل : الانتهاء عن الشيء بعد أن صار مفعولا غير ممكن فلم ذمهم عليه ؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون المراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه الثاني : لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته وأدواته . الثالث : لا يتناهون عن الإصرار على منكر فعلوه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 80 ] تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) ثم قال تعالى : تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا . اعلم أنه تعالى لما وصف أسلافهم بما تقدم وصف الحاضرين منهم بأنهم يتولون الكفار وعبدة الأوثان ، والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [ النساء : 51 ] . ثم قال تعالى : لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في دار الآخرة . وقوله تعالى : أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ محل أَنْ رفع كما تقول : بئس رجلا زيد ، ورفعه كرفع زيد ، وفي زيد وجهان : الأول : أن يكون مبتدأ ، ويكون ( بئس ) وما عملت فيه خبره ، والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، كأنه لما قال : بئس رجلا قتل : ما هو ؟ فقال : زيد ، أي هو زيد . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 81 ] وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 )