فخر الدين الرازي
406
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إذا عرفت هذا فنقول : يمكن إجراء الحسبان هاهنا بحيث يفيد الثبات والاستقرار ، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب والقتل في الفتنة والعذاب ، ويمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث إنهم كانوا يكذبون ويقتلون بسبب حفظ الجاه والتبع ، فكانوا بقلوبهم عارفين بأن ذلك خطأ ومعصية ، وإذا كان اللفظ محتملا لكل واحد من هذين المعنيين لا جرم ظهر الوجه في صحة كل واحدة من هاتين القراءتين ، فمن رفع قوله أن لا تكون كان المعنى : أنه لا تكون ، ثم خففت المشددة وجعلت ( لا ) عوضا من حذف الضمير ، فلو قلت : علمت أن يقول ، بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضا من حذف الضمير : نحو السين وسوف وقد ، كقوله عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ [ المزمل : 20 ] ووجه النصب ظاهر . ثم قال الواحدي : وكلا الوجهين قد جاء به القرآن ، فمثل قراءة من نصب وأوقع بعده الخفيفة / قوله أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا [ العنكبوت : 4 ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ [ الجاثية : 21 ] ألم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 1 ، 2 ] ومثل قراءة من رفع أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [ الزخرف : 80 ] أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ [ المؤمنون : 55 ] أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ [ القيامة : 3 ] فهذه مخففة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها ( لن ) ومثل المذهبين في الظن قوله تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ [ القيامة : 25 ] إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما [ البقرة : 230 ] ومن الرفع قوله : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [ الجن : 5 ] وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً [ الجن : 7 ] فإن هاهنا الخفيفة من الشديدة كقوله عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ [ المزمل : 20 ] لأن ( أن ) الناصبة للفعل لا تجتمع مع لن ، لأن ( لن ) تفيد التأكيد ، و ( أن ) الناصبة تفيد عدم الثبات كما قررناه . المسألة الثانية : أن باب حسب من الأفعال التي لا بدّ لها من مفعولين ، إلا أن قوله أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ جملة قامت مقام مفعولي حسب لأن معناه : وحسبوا الفتنة غير نازلة بهم . المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في ( الفتنة ) وجوها ، وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، ثم عذاب الدنيا أقسام : منها القحط ، ومنها الوباء ، ومنها القتل ، ومنها العداوة ، ومنها البغضاء فيما بينهم ، ومنها الأدبار والنحوسة ، وكل ذلك قد وقع بهم ، وكل واحد من المفسرين حمل الفتنة على واحد من هذه الوجوه . واعلم أن حسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن النسخ ممتنع على شرع موسى عليه السلام ، وكانوا يعتقدون أن الواجب عليهم في كل رسول جاء بشرع آخر أنه يجب عليهم تكذيبه وقتله ، والثاني : أنهم وإن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون : نحن أبناء اللَّه وأحباؤه ، وكانوا يعتقدون أن نبوّة أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب . ثم قال تعالى : فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فيه مسائل :