فخر الدين الرازي
382
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
نصرة الدين لا يبالون بلومة اللائمين ، واللومة المرة الواحدة من اللوم ، والتنكير فيها وفي اللائم مبالغة ، كأنه قيل : لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللائمين . ثم قال تعالى : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ فقوله ذلِكَ إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصف القوم بالمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة الواحدة ، فبيّن تعالى أن كل ذلك بفضله إحسانه ، وذلك صريح في أن طاعات العباد مخلوقة للَّه تعالى ، والمعتزلة يحملون اللفظ على فعل الألطاف ، وهو بعيد لأن فعل . الألطاف عام في حق الكل ، فلا بدّ في التخصيص من فائدة زائدة . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فالواسع إشارة إلى كمال القدرة ، والعليم إشارة إلى كمال العلم ، ولما أخبر اللَّه تعالى أنه سيجيء بأقوام هذا شأنهم وصفتهم أكد ذلك بأنه كامل القدرة فلا يعجز عن هذا الموعود ، كامل العلم فيمتنع دخول الخلف في أخباره ومواعيده . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 55 ] إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 55 ) وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته وقال : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله وَالَّذِينَ آمَنُوا قولان : الأول : أن المراد عامة المؤمنين ، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال : أنا بريء إلى اللَّه من حلف قريظة والنضير ، وأتولى اللَّه ورسوله نزلت هذه الآية على وفق قوله . وروي أيضا أن عبد اللَّه بن سلام قال : يا رسول اللَّه إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل ، فنزلت هذه الآية ، فقال : رضينا باللَّه ورسوله وبالمؤمنين أولياء ، فعلى هذا : الآية عامة في حق كل المؤمنين ، فكل من كان مؤمنا فهو ولي كل المؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] وعلى هذا فقوله الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ صفة لكل المؤمنين ، والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأنهم كانوا يدعون الإيمان إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات والزكوات ، قال تعالى : في صفة صلاتهم وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى [ التوبة : 54 ] وقال : يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 142 ] وقال في صفة زكاتهم أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ [ الأحزاب : 19 ] وأما قوله وَهُمْ راكِعُونَ ففيه على هذا القول وجوه : الأول : قال أبو مسلم : المراد من الركوع الخضوع ، يعني أنهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر اللَّه ونواهيه والثاني : أن يكون المراد : من شأنهم إقامة الصلاة ، وخص الركوع بالذكر تشريفا له كما في قوله وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [ البقرة : 43 ] والثالث : قال بعضهم : إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون في هذه الصفات ، منهم من قد أتم الصلاة ، ومنهم من دفع المال إلى الفقير ، ومنهم من كان بعد في الصلاة وكان راكعا ، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر اللَّه تعالى كل هذه الصفات . القول الثاني : أن المراد من هذه الآية شخص معين ، وعلى هذا ففيه أقوال : الأول : روى عكرمة أن هذه