فخر الدين الرازي

383

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الآية نزلت في أبي بكر رضي اللَّه عنه . والثاني : روى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام . و روي أن عبد اللَّه بن سلام قال : لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول اللَّه أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع ، فنحن نتولاه . و روي عن أبي ذر رضي اللَّه عنه أنه قال : صليت مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوما صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللّهم اشهد أني سألت في مسجد الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فما أعطاني أحد شيئا ، وعلي عليه السلام كان راكعا ، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم ، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : « اللّهم إن أخي موسى سألك » فقال : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي إلى قوله وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [ طه : 25 - 32 ] فأنزلت قرآنا ناطقا سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً [ القصص : 35 ] اللّهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري . قال أبو ذر : فو اللَّه ما أتم رسول اللَّه هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال : يا محمد اقرأ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلى آخرها ، فهذا مجموع ما يتعلق بالروايات في هذه المسألة . المسألة الثانية : قالت الشيعة : هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم هو علي بن أبي طالب ، وتقريره أن نقول : هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب . بيان المقام الأول : أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب ، كما في قوله وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] وجاء بمعنى المتصرف . قال عليه الصلاة والسلام : « أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها » فنقول : هاهنا وجهان : الأول : أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين ولم يعين اللَّه مراده ، ولا منافاة بين المعنيين ، فوجب حمله عليهما ، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في الآية متصرفون في الأمة . الثاني : أن نقول : الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر ، فوجب أن يكون بمعنى التصرف ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر ، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين ، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة إِنَّما وكلمة إِنَّما للحصر ، كقوله إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [ النساء : 171 ] والولاية بمعنى النصرة عامة لقوله تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وهذا يوجب القطع بأن الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة ، وإذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف ، لأنه ليس للولي معنى / سوى هذين ، فصار تقدير الآية : إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو اللَّه ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية ، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية متصرفون في جميع الأمة ، ولا معنى للإمام إلا الإنسان الذي يكون متصرفا في كل الأمة ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة . أما بيان المقام الثاني : وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الإنسان هو علي بن أبي طالب ، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال : إن ذلك الشخص هو علي ، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص ، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . الثاني : تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي ، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول : إنها نزلت في أبي بكر رضي اللَّه عنه ؛ لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته ، وأجمعت الأمة على أن هذه