فخر الدين الرازي

354

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ولا في سرقة التبنة الواحدة ، بل في أقل شيء يجري فيه الشح والضنة ، وذلك لأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة ، فربما استحقر الملك الكبير آلافا مؤلفة ، وربما استعظم الفقير طسوجا ، ولهذا قال الشافعي رحمه اللَّه : لو قال لفلان على مال عظيم ، ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال أنه كان عظيما عنده لغاية فقره وشدة احتياجه إليه ، ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالا ، وليس لقائل أن يستبعد ويقول : كيف يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة ، لأن الملحدة قد جعلوا هذا طعنا في الشريعة ، فقالوا : اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب ، فكيف تقطع لأجل القليل من المال ؟ ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن بأن / الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل ، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة ، وإذا كان هذا الجواب مقبولا من الكل فليكن أيضا مقبولا منا في إيجاب القطع في القليل والكثير . قال : ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن هاهنا بخبر الواحد ، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه ، فقال الشافعي رحمه اللَّه : يجب القطع في ربع دينار ، وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام : « لا قطع إلا في ربع دينار » وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام : « لا قطع إلا في ثمن المجن » والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم . وقال مالك وأحمد وإسحاق : أنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار . وقال ابن أبي ليلي : مقدر بخمسة دراهم ، وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر ، وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة ، فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ويرجع في معرفة حكم اللَّه تعالى إلى ظاهر القرآن . قال : وليس لأحد أن يقول : إن الصحابة رضي اللَّه عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين . قال : لأن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة ، وكان يقول : احذر من قطع يدك بدرهم ، ولو كان الإجماع منعقدا لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان الصحابة وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين ، فهذا تقرير مذهب الحسن البصري وداود الأصفهاني . وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بدّ في وجوب القطع من القدر ، ثم قال الشافعي رحمه اللَّه : القطع في ربع دينار فصاعدا وهو نصاب السرقة ، وسائر الأشياء تقوم به . وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجب القطع في أقل من عشرة دراهم مضروبة ، ويقوم غيرها بها . وقال مالك رحمه اللَّه : ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم . حجة الشافعي رحمه اللَّه أن ظاهر قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما يوجب القطع في القليل والكثير ، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار ، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعدا على ظاهر النص ، ثم أكد هذا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « لا قطع إلا في ربع دينار » . وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه اللَّه من قوله عليه الصلاة والسلام : « لا قطع إلا في ثمن المجن » فهو ضعيف لوجهين : الأول : أن ثمن المجن مجهول ، فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز . الثاني : أنه إن كان ثمن المجن مقدرا بعشرة دراهم كان التخصيص / الحاصل بسببه في عموم قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أكثر من التخصيص الحاصل في عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : « لا قطع إلا في ربع دينار » فكان الترجيح لهذا الجانب .