فخر الدين الرازي
355
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه اللَّه : الرجل إذا سرق أولا قطعت يده اليمنى ، وفي الثانية رجله اليسرى ، وفي الثالثة يده اليسرى ، وفي الرابعة رجله اليمنى ، وقال أبو حنيفة والثوري : لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة . واحتج الشافعي رحمه اللَّه بهذه الآية من وجهين : الأول : أن السرقة علة لوجوب القطع ، وقد وجدت في المرة الثالثة ، فوجب القطع في المرة الثالثة أيضا ، إنما قلنا : إن السرقة علة لوجوب القطع لقوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما وقد بيّنا أن المعنى : الذي سرق فاقطعوا يده ، وأيضا الفاء في قوله فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما يدل على أن القطع وجب جزاء على تلك السرقة ، فالسرقة علة لوجوب القطع ، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة الثالثة ، فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة ، فلا بدّ وأن يترتب عليه موجبه ، ولا يجوز أن يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا يسبق العلة ، وذلك لأن القطع وجب بالسرقة الأولى ، فلم يبق إلا أن تكون السرقة في المرة الثالثة توجب قطعا آخر وهو المطلوب ، والثاني : أنه تعالى قال : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ولفظ الأيدي لفظ جمع ، وأقله ثلاثة ، والظاهر يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة ، ترك العمل به ابتداء فيبقى معمولا به عند السرقة الثالثة . فإن قالوا إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما ، فكان هذا الحكم مختصا باليمين لا في مطلق الأيدي ، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد . قلنا : القراءة الشاذة لا تبطل القراءة المتواترة ، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضا القراءة الشاذة ليست بحجة عندنا ، لأنا نقطع أنها ليست قرآنا ، إذ لو كانت قرآنا لكانت متواترة ، فإنا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن ، ولعلّه كان في القرآن آيات دالة على إمامة علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه نصا ، وما نقلت إلينا ، ولعلّه كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلا بأنه لو كان قرآنا لكان متواترا ، فلما لم يكن متواترا قطعنا أنه ليس بقرآن ، فثبت أن القراءة الشاذة ليست بحجة البتة . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه اللَّه : أغرم السارق ما سرق . وقال أبو حنيفة والثوري / وأحمد وإسحاق : لا يجمع بين القطع والغرم ، فإن غرم فلا قطع ، وإن قطع فلا غرم . وقال مالك رحمه اللَّه : يقطع بكل حال ، وأما الغرم فيلزمه إن كان غنيا ، ولا يلزمه إن كان فقيرا . حجة الشافعي رحمه اللَّه أن الآية دلّت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » يوجب الضمان ، وقد اجتمع الأمران في هذه السرقة فوجب أن يجب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه الدليل ، على أنا نقول : إن حد اللَّه لا يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، وبدليل أنه لو كان المسروق باقيا وجب رده بالإجماع ، ويدل عليه أيضا أن المسروق كان باقيا على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصرا على وقت القطع ، أو مسندا إلى زمان السرقة ، والأول : لا يقول به الخصم ، والثاني : يقتضي أن يقال : إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقا على