فخر الدين الرازي

350

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال تعالى : وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ واعلم أنه تعالى لما أمر بترك ما لا ينبغي بقوله اتَّقُوا اللَّهَ وبفعل ما ينبغي ، بقوله وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وكل واحد منهما شاق ثقيل على النفس والشهوة ، فإن النفس لا تدعو إلا إلى الدنيا واللذات المحسوسة ، والعقل لا يدعو إلا إلى خدمة اللَّه وطاعته والاعتراض عن المحسوسات ، وكان بين الحالتين تضاد وتناف ، ولذلك فإن العلماء ضربوا المثل في مظان تطلب الدنيا والآخرة بالضرتين ، وبالضدين ، وبالمشرق والمغرب ، وبالليل والنهار ، وإذا كان كذلك كان الانقياد لقوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلا على الطبع ، فلهذا السبب أردف ذلك التكليف بقوله وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية ، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها ، وهو أن من يعبد اللَّه تعالى فريقان ، منهم من يعبد اللَّه لا لغرض سوى اللَّه ، ومنهم من يعبده لغرض آخر . والمقام الأول : هو المقام الشريف العالي ، وإليه الإشارة بقوله وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته . والمقام الثاني : دون الأول ، وإليه الإشارة بقوله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب . واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد جميع الخيرات ، ومفاتح كل السعادات أتبعه بشرح حال الكفار ، وبوصف عاقبة من لم يعرف حياة ولا سعادة إلا في هذه الدار ، وذكر من جملة تلك الأمور الفظيعة نوعين : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 36 إلى 37 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) أحدهما : قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وفيه مسائل : المسألة الأولى : الجملة المذكورة مع كلمة لَوْ خبر إِنَّ . فإن قيل : لم وحد الراجع في قوله لِيَفْتَدُوا بِهِ مع أن المذكور السابق بيان ما في الأرض جميعا ومثله ؟ قلنا : التقدير كأنه قيل : ليفتدوا بذلك المذكور . المسألة الثانية : قوله وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يحتمل أن يكون في موضع الحال ، ويحتمل أن يكون عطفا على الخبر . المسألة الثالثة : المقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم ، فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه . و عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت » .