فخر الدين الرازي
351
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
النوع الثاني : من الوعيد المذكور في هذه الآية . قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إرادتهم الخروج تحتمل وجهين : الأول : أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج منها كما قال تعالى : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [ السجدة : 2 ] . قيل : إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج . وقيل : يكادون يخرجون من النار لقوة النار ودفعها للمعذبين ، والثاني : أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم ، كقوله تعالى في موضع آخر رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها [ المؤمنون : 107 ] ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ بضم الياء . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال « لا إله إلا اللَّه » على سبيل الإخلاص . قالوا : لأنه تعالى جعل هذا المعنى من تهديدات الكفار ، وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد ، ولولا أن هذا المعنى مختص بالكفار وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى واللَّه أعلم . ومما يؤيد هذا الذي قلناه قوله وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ وهذا يفيد الحصر ، فكان المعنى ولهم عذاب مقيم لا لغيرهم ، كما أن قوله لَكُمْ دِينَكُمْ * [ المائدة : 3 ] أي لكم لا لغيركم ، فكذا هاهنا . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 38 ] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) في اتصال الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة ، بيّن في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضا ، والثاني : أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال : مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [ المائدة : 32 ] ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام ، فذكر أولا : قطع الطريق ، وثانيا : أمر السرقة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلف النحويون في الرفع في قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ على وجوه : الأول : وهو قول سيبويه والأخفش : أن قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ مرفوعان بالابتداء ، والخبر محذوف والتقدير : فيما يتلى عليكم السارق والسارقة ، أي حكمهما كذا ، وكذا القول في قوله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [ النور : 2 ] وفي قوله وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [ النساء : 16 ] وقرأ عيسى بن عمر وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ بالنصب ، ومثله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي والاختيار عند سيبويه النصب في هذا . قال لأن قول القائل : زيدا فاضربه أحسن من قولك : زيد فاضربه ، وأيضا لا يجوز أن يكون فَاقْطَعُوا خبر المبتدأ ، لأن خبر المبتدأ لا يدخل عليه الفاء . والقول الثاني : وهو اختيار الفرّاء : أن الرفع أولى من النصب ، لأن الألف واللام في قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ يقومان مقام « الذي » فصار التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده ، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر لأنه صار جزاء ، وأيضا النصب إنما يحسن إذا أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها ، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل فالرفع أولى ، وهذا القول هو الذي اختاره الزجاج وهو المعتمد .