فخر الدين الرازي

349

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إلى الرب ، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك ، وكونوا متقين عن معاصي اللَّه ، متوسلين إلى اللَّه بطاعات اللَّه . الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] أي نحن أبناء أنبياء اللَّه ، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم ، فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم ، فاتقوا اللَّه وابتغوا إليه الوسيلة ، واللَّه أعلم . المسألة الثانية : اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما : أحدهما : ترك المنهيات ، وإليه الإشارة بقوله اتَّقُوا اللَّهَ وثانيهما : فعل المأمورات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ولما كان ترك المنهيات مقدما على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر . وإنما قلنا : إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي ، والفعل هو الإيقاع والتحصيل ، ولا شك أن عدم جميع المحدثات سابق على وجودها ، فكان الترك قبل الفعل لا محالة . فإن قيل : ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنا نعلم أن ترك المعاصي قد يتوسل به إلى اللَّه تعالى ؟ قلنا : الترك إبقاء الشيء على عدمه الأصلي ، وذلك العدم المستمر لا يمكن التوسل به إلى شيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة ، بل من دعاه داعي الشهوة إلى فعل قبيح ، ثم تركه لطلب مرضاة اللَّه تعالى ، فههنا يحصل التوسل بذلك الامتناع إلى اللَّه تعالى ، إلا أن ذلك الامتناع من باب الأفعال ، ولهذا قال المحققون : ترك الشيء عبارة عن فعل ضده . إذا عرفت هذا فنقول : إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال ، فالذي يجب تركه هو المحرمات ، والذي يجب فعله هو الواجبات ، ومعتبران أيضا في الأخلاق ، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة ، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة ، ومعتبران أيضا في الأفكار فالذي يجب فعله هو التفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد ، والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات ، ومعتبران أيضا في مقام التجلي ، فالفعل هن الاستغراق في اللَّه تعالى ، والترك هو الالتفات إلى غير اللَّه تعالى : وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية ، وبالمحو والصحو ، وبالنفي والإثبات ، وبالفناء والبقاء ، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الإثبات ، ولذلك كان قولنا « لا إله إلا اللَّه » النفي مقدم فيه إلى الإثبات . المسألة الثالثة : الوسيلة فعيلة ، من وسل إليه إذا تقرب إليه . قال لبيد الشاعر : أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم * ألا كل ذي لب إلى اللَّه واسل أي متوسل ، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود . قالت التعليمية : دلت الآية على أنه لا سبيل إلى اللَّه تعالى إلا بمعلم يعلمنا معرفته ، ومرشد يرشدنا إلى العلم به ، وذلك لأنه أمر بطلب الوسيلة إليه مطلقا ، والإيمان به من أعظم المطالب وأشرف المقاصد ، فلا بدّ فيه من الوسيلة . وجوابنا : أنه تعالى إنما أمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان به ، والإيمان به عبارة عن المعرفة به فكان هذا أمرا بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان وبعد معرفته ، فيمتنع أن يكون هذا أمرا بطلب الوسيلة إليه في معرفته ، فكان المراد طلب الوسيلة إليه في تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات والطاعات .