فخر الدين الرازي
313
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المائعات وفي الماء القليل الذي تغير بالنجاسة ، فيبقى حجة في الباقي . وقال مالك رحمه اللَّه : ثم تأيد التمسك بهذه الآية بقوله / عليه الصلاة والسلام : « خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه » ولا يعارض هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا » لأن القرآن أولى من خبر الواحد ، والمنطوق أولى من المفهوم . المسألة الحادية عشرة : يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب . وقال أحمد وإسحاق : لا يجوز بفضل ماء المرأة إذا خلت به ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب . لنا قوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا وواجد هذا الماء واجد للماء فلم يجز له التيمم ، وإذا لم يجز له ذلك جاز له الوضوء لأنه لا قائل بالفرق . المسألة الثانية عشرة : أسئار السباع طاهرة مطهرة ، وكذا سؤر الحمار . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : نجسة . لنا أن واجد هذا السؤر واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأن قوله فَاغْسِلُوا يتناول جميع أنواع الماء على ما تقدم تقرير هذين الوجهين . المسألة الثالثة عشرة : الماء إذا بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة غير مغيرة بقي طاهرا طهورا عند الشافعي رحمه اللَّه . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه ينجس . لنا أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به فخرج عن العهدة . المسألة الرابعة عشرة : الماء الذي تفتتت الأوراق فيه ، للناس فيه تفاصيل ، لكن هذه الآية دالة على كونه طاهرا مطهرا ما لم يزل عنه اسم الماء المطلق ، وبالجملة فهذه الآية دالة على أنه كلما بقي اسم الماء المطلق كان طاهرا طهورا . النوع الثاني : من المسائل المستخرجة من هذه الآية من مسائل التيمم . المسألة الأولى : قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون رحمهم اللَّه : لا بدّ في التيمم من النيّة ، وقال زفر رحمه اللَّه لا يجب . لنا قوله تعالى : فَتَيَمَّمُوا والتيمم عبارة عن القصد ، فدل على أنه لا بدّ من النيّة . المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة : يجب تيمم اليدين إلى المرفقين ، وعن علي وابن عباس إلى الرسغين ، وعن مالك إلى الكوعين ، وعن الزهري إلى الآباط . لنا : اليد اسم لهذا العضو إلى الإبط فقوله فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ يقتضي المسح إلى الإبطين ، تركنا العمل بهذا النص في العضدين لأنا نعلم أن التيمم بدل عن الوضوء . ومبناه على التخفيف بدليل أن الواجب تطهير أعضاء أربعة في الوضوء ، وفي التيمم الواجب تطهير عضوين وتأكد هذا المعنى بقوله تعالى في آية التيمم ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ فإذا كان العضدان / غير معتبرين في الوضوء فبأن لا يكونا معتبرين في التيمم أولى ، وإذا خرج العضدان عن ظاهر النص بهذا الدليل بقي اليدان إلى المرفقين فيه ، فالحاصل أنه تعالى إنما ترك تقييد التيمم في اليدين بالمرفقين لأنه بدل عن الوضوء ، فتقييده بهما في الوضوء يغني عن ذكر هذا التقييد في التيمم . المسألة الثالثة : يجب استيعاب العضوين في التيمم . ونقل الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا يمم الأكثر جاز .