فخر الدين الرازي
312
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تمسكوا بقصة الجن قلنا : قيل إن ذلك كان ماء نبذت فيه تميرات لإزالة الملوحة ، وأيضا فقصة الجن كانت بمكة وسورة المائدة آخر ما نزل من القرآن ، فجعل هذا ناسخا لذلك أولى . المسألة السادسة : ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة . وقال الأكثرون : لا يجوز . لنا أن عند عدم الماء أوجب اللَّه التيمم ، وتجويز الوضوء بسائر المائعات يبطل ذلك . احتجوا بأن قوله تعالى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ أمر بمطلق الغسل ، وإمرار المائع على العضو يسمى غسلا كقول الشاعر : فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها وإذا كان الغسل اسما للقدر المشترك بين ما يحصل بالماء وبين ما يحصل بسائر المائعات كان قوله فَاغْسِلُوا إذنا في الوضوء بكل المائعات . قلنا : هذا مطلق ، والدليل الذي ذكرناه مقيد ، وحمل المطلق على المقيد هو الواجب . المسألة السابعة : قال الشافعي رحمه اللَّه : الماء المتغير بالزعفران تغيرا فاحشا لا يجوز الوضوء به . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه يجوز ، حجة الشافعي أن مثل هذا الماء لا يسمى ماء على الإطلاق فواجده غير واجد للماء ، فوجب أن يجب عليه التيمم ، وحجة أبي حنيفة رحمه اللَّه أن واجده واجد للماء لأن الماء المتغير بالزعفران ماء موصوف بصفة معينة ، فكان أصل الماء موجودا لا محالة ، فواجده يكون واجدا للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم لقوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا علق جواز التيمم بعدم الماء . المسألة الثامنة : الماء الذي تغير وتعفن بطول المكث طاهر طهور بدليل قوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا علق جواز التيمم على عدم الماء وهذا الماء المتعفن ماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم عند وجوده . المسألة التاسعة : قال مالك وداود : الماء المستعمل في الوضوء يبقى طاهرا طهورا ، وهو قول قديم للشافعي رحمه اللَّه ، والقول الجديد للشافعي أنه لم يبق طهورا ولكنه طاهر ، وهو قول محمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه في أكثر الروايات أنه نجس . حجة مالك أن جواز التيمم معلق على عدم وجدان الماء ، وهو قوله فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا وواجد الماء المستعمل واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم ، وإذا لم يجز التيمم جاز له التوضؤ ، لأنه لا قائل بالفرق . وأيضا قال تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [ الفرقان : 48 ] والطهور هو الذي يتكرر منه هذا الفعل كالضحوك والقتول والأكول والشروب ، والتكرار إنما يحصل إذا كان المستعمل في الطهارة يجوز استعماله فيها مرة أخرى . المسألة العاشرة : قال مالك : الماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير الماء بتلك النجاسة بقي طاهرا طهورا سواء كان قليلا أو كثيرا ، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين . وقال الشافعي رحمه اللَّه : إن كان أقل من القلتين ينجس . وقال أبو حنيفة : إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس . حجة مالك أن اللَّه جعل في هذه الآية عدم الماء شرطا لجواز التيمم ، وواجد هذا الماء الذي فيه النزاع واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز له التيمم . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا المعنى موجود عند صيرورة الماء القليل متغيرا ، إلا أنا نقول : العام حجة في غير محل التخصيص ، وأيضا قوله تعالى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ أمر بمطلق الغسل ، ترك العمل به في سائر