فخر الدين الرازي

160

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حاصل بالوجهين الأولين ، فأما الوجوه الثلاثة الأخيرة فإن كان المراد قصر الآية عليها فذلك باطل ، وإلا صارت هذه الآية أجنبية عما قبلها ، وإن كان المراد دخول هذه الثلاثة مع الوجهين الأولين في اللفظ فهذا جائز ؛ لأن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ . المسألة الثالثة : قال أهل اللغة : الكفل : هو الحظ ومنه قوله تعالى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [ الحديد : 28 ] أي حظين وهو مأخوذ من قولهم : كفلت البعير واكتفلته إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه . وإنما قيل : كفلت البعير واكتفلته لأنه لم يستعمل كل الظهر ، وإنما استعمل نصيبا من الظهر . قال ابن المظفر : لا يقال : هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت لغيره مثله ، وكذا القول في النصيب ، فان أفردت فلا تقل له كفل ولا نصيب . فان قيل : لم قال في الشفاعة الحسنة : يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وقال في الشفاعة السيئة : يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة ؟ قلنا : الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس ، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة ، وحمى الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به ، ويقال للضامن : كفيل . وقال عليه الصلاة والسلام : « أنا وكافل اليتيم كهاتين » فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه ، إذا ثبت هذا فنقول : وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده ، والمقصود حصول ضد ذلك فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * [ آل عمران : 21 ] / والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند اللَّه تعالى . ثم قال تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في المقيت قولان : الأول : المقيت القادر على الشيء ، وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب . وذي ضغن كففت النفس عنه * وكنت على إساءته مقيتا وقال آخر : ليت شعري وأشعرن إذا ما * قربوها منشورة ودعيت إلي الفضل أم علي إذا حوسبت * اني على الحساب مقيت وأنشد النضر بن شميل : تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة * فاني على ما ساءهم لمقيت الثاني : المقيت مشتق من القوت ، يقال : قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته ، واسم ذلك الشيء هو القوت ، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة ، ثم قال القفال رحمه اللَّه : وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح ، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع ، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه