فخر الدين الرازي

161

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

شيء من أحوالنا ، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازى كلا بما علم منه . المسألة الثانية : انما قال : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً تنبيها على أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الأزل ، وليست صفة محدثة ، فقوله : كانَ مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا ، يدل على أنه كان حاصلا من الأزل إلى الأبد . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 86 ] وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ( 86 ) في النظم وجهان : الأول : أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضا بأن الأعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها ، فقوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها كقوله تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [ الأنفال : 61 ] . الثاني : ان الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه ، فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله ، وربما ظهر أنه كان مسلما ، فمنع اللَّه المؤمنين عنه وأمرهم ان كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد ، فإنه ان كان كافرا لا يضر المسلم ان قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام ، أما ان كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد ، [ في قوله تعالى وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ] وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : التحية تفعلة من حييت ، وكان في الأصل تحيية ، مثل التوصية والتسمية ، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة ، نحو قوله : وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [ الواقعة : 94 ] فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء . المسألة الثانية : اعلم أن عادة العرب قبل الإسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا : حياك اللَّه واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة ، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك اللَّه ، فلما جاء الإسلام أبدل ذلك بالسلام ، فجعلوا التحية اسما للسلام . قال تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [ الأحزاب : 44 ] ومنه قول المصلى : التحيات للَّه ، أي السلام من الآفات للَّه ، والأشعار ناطقة بذلك . قال عنترة : حييت من طلل تقادم عهده وقال آخر : إنا محيوك يا سلمى فحيينا واعلم أن قول القائل لغيره : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك اللَّه ، وبيانه من وجوه : الأول : أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة ، وليس إذا كان حيا كان سليما ، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات ، فثبت أن قوله : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك اللَّه . الثاني : أن السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى ، فالابتداء بذكر اللَّه أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد إبقاء السلامة على عباده أكمل من قوله : حياك اللَّه . الثالث : أن قول الإنسان لغيره : السلام عليك فيه بشارة بالسلامة ، وقوله : حياك اللَّه لا يفيد ذلك ، فكان هذا أكمل . ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول ، أما القرآن فمن وجوه : الأول : اعلم أن اللَّه تعالى سلم على المؤمنين في اثني عشر موضعا : أولها : أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل ، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته : الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ [ الحشر : 23 ] ، وثانيها : أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيبا ، فقال : قِيلَ / يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [ هود : 48 ] والمراد