فخر الدين الرازي

156

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وقال قوم : راجع إلى قوله : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ وقال آخرون : إنه راجع إلى قوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ . واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة ، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها ، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل . أما القول الأول : فالتقدير : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله : بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ [ النساء : 81 ] . والقول الثاني : الاستثناء عائد إلى قوله : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل : قال الفراء والمبرد : القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه ، والأكثر يجهله ، وصرف الاستثناء إلى ما ذكره يقتضي ضد ذلك . قال الزجاج : هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض ، إنما هو استنباط خبر ، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال : كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والأراجيف ، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد . القول الثالث : انه متعلق بقوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه . واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص ، وفيه وجهان : الأول : وهو قول جماعة من المفسرين ، أن المراد بفضل اللَّه وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، والتقدير : ولولا بعثة محمد صلى اللَّه عليه وسلم وإنزال القرآن لا تبعتم الشيطان وكفرتم باللَّه الا قليلا منكم ، فان ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى اللَّه عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان ، وما كان يكفر باللَّه ، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وهم الذين كانوا مؤمنين باللَّه قبل بعثة محمد صلى اللَّه عليه وسلم . الوجه الثاني : ما ذكره أبو مسلم ، وهو أن المراد بفضل اللَّه وبرحمته في هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم : فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً [ النساء : 73 ] فبين تعالى أنه لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين الا القليل منكم ، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا ، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا ، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا ، بل الأمر في كونه حقا وباطلا على الدليل ، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق . المسألة الثانية : دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم اللَّه فضله ورحمته ، والا ما كان يتبع ، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على اللَّه رعاية الأصلح في الدين . أجاب الكعبي عنه بأن فضل اللَّه ورحمته عامان في حق الكل ، لكن المؤمنين انتفعوا به ، والكافرين لم ينتفعوا به ، فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من اللَّه فضل ورحمة في الدين .