فخر الدين الرازي
157
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب : أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الأصل . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 84 ] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ( 84 ) اعلم أنه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة ، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد ، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد ، عاد في هذه الآية إلى الأمر بالجهاد فقال : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله : فَقاتِلْ بما ذا تتعلق ؟ فيه وجوه : الأول : أنها جواب لقوله : وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ [ النساء : 74 ] من طريق المعنى لأنه يدل على معنى ان أردت الفوز فقاتل الثاني : أن يكون متصلا بقوله : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 75 ] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 84 ] والثالث : أن يكون متصلا بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين ، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا ، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم ، بل قاتل . المسألة الثانية : دلت الآية على أن اللَّه تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى اللَّه عليه وسلم اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا ، فنزلت هذه الآية ، فخرج وما معه الا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد ، ولو لم يتبعوه لخرج وحده . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه صلى اللَّه عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى اللَّه عليه وسلم موصوف بهذه الصفات ، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي اللَّه عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ، ومن علم أن الأمر كله بيد اللَّه وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء اللَّه سهل ذلك عليه . ثم قال تعالى : لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : قرئ لا تكلف بالجزم على النهي . ولا نكلف بالنون وكسر اللام ، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه اللَّه انتصاب قوله : نَفْسَكَ على مفعول ما لم يسم فاعله . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة ، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك ، فإذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك . واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات ، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب ، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] وبدليل قوله هاهنا : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا و « عسى » من اللَّه جزم ، فلزمه الجهاد وان كان وحده . ثم قال تعالى : وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ والمعنى ان الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو