فخر الدين الرازي

155

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الأكثرون : ان الأصل في المنافع الإباحة ، وفي المضار الحرمة ، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية ، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيدا للعلم بدليل قوله تعالى : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فأخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم / من هذا الاستنباط ، ولا نزاع في مثل هذا القياس ، انما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا ؟ والجواب : أما في السؤال الأول : فمدفوع لأنه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه ، لأن عطف المظهر على المضمر ، وهو قوله : وَلَوْ رَدُّوهُ قبيح مستكره . وأما السؤال الثاني : فمدفوع لوجهين : الأول : أن قوله : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية ، لأن الأمن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف ، فثبت انه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب . الثاني : هب أن الأمر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي ، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق ، ألا ترى أن من قال : القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت اليه ، فكذا هاهنا . وأما السؤال الثالث : وهو حمل الاستنباط : على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه : أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا ، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا . قوله : لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الأصلية ؟ قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان ، ومثل هذا لا يسمى استنباطا البتة . وأما السؤال الرابع : وهو قوله ان هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم ، والقياس الشرعي لا يفيد العلم . قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : ان القياس الشرعي عندنا يفيد العلم ، وذلك لا ن بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم اللَّه في الأصل معلل بكذا ، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع ، فههنا يحصل ظن أن حكم اللَّه في الفرع مساو لحكمه في الأصل ، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن ، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم ، وأما الحكم فمقطوع به ، وهو يجري مجرى ما إذا قال اللَّه : مهما غلب على ظنك كذا فاعلم أن في الواقعة الفلانية حكمي كذا فإذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم . والثاني : وهو ان العلم قد يطلق ويراد به الظن ، قال عليه الصلاة والسلام : « إذا علمت مثل الشمس فاشهد » شرط العلم في جواز الشهادة ، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة ، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم واللَّه أعلم . ثم قال تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا وفيه مسائل : المسألة الأولى : ان ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل اللَّه ولا برحمته ومعلوم ان ذلك محال . فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها ، قال بعضهم : هذا الاستثناء راجع إلى قوله : أَذاعُوا