فخر الدين الرازي
147
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثالثة : الفقه : الفهم ، يقال أوتى فلانا فقها ، ومنه قوله صلى اللَّه عليه وسلم لا بن عباس : « فقهه في التأويل » أي فهمه . ثم قال تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 79 ] ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 ) قال أبو علي الجبائي : قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة ، وتارة يقع على الذنب والمعصية ، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما ، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى اللَّه وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين ، قال : وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرءوا : ( فمن تعسك ) فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن . فان قيل : فلما ذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم ؟ قلنا : لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فإنما وصل إليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الإضافة إليه ، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى اللَّه تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها ، ولا بأنه أمر بها ، ولا بأنه رغب فيها ، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى اللَّه تعالى . هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع . ونحن نقول : هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق اللَّه تعالى ، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية . إنما قلنا : إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة ، وكل حسنة فمن اللَّه . إنما قلنا : إن الايمان حسنة ، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، ولا شك أن الايمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ [ فصلت : 33 ] المراد به كلمة الشهادة ، وقيل في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] قيل : هو لا إله إلا اللَّه ، فثبت أن الإيمان حسنة ، وإنما قلنا إن كل حسنة من اللَّه لقوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ يفيد العموم في جميع الحسنات ، ثم حكم على كلها بأنها من اللَّه ، فيلزم من هاتين المقدمتين ، أعني أن الإيمان حسنة ، وكل حسنة من اللَّه ، القطع بأن الإيمان من اللَّه . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من اللَّه هو أن اللَّه أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة ، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر ؟ قلنا : جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم ، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان ، ولا مدخل لقدرة اللَّه وإعانته في نفس الايمان ، فكان الايمان منقطعا عن اللَّه في كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا