فخر الدين الرازي

148

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان من اللَّه ، والخصوم لا يقولون به ، فصاروا محجوجين في هذه المسألة ، ثم إذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من اللَّه . قلنا فيه وجوه : الأول : أن كل من قال : الايمان من اللَّه قال : الكفر من اللَّه ، فالقول بأن أحدهما من اللَّه دون الآخر مخالف لا جماع الأمة . الثاني : أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لا يجاد الكفر إما أن تكون صالحة لا يجاد الايمان أو لا تكون ، فان كانت صالحة لا يجاد الايمان فحينئذ يعود القول في أن إيمان العبد منه ، وإن لم تكن صالحة لا يجاد الايمان فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده ، وذلك عندهم محال ، ولأن على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور ، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه ، فثبت أنه لما لم يكن الايمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه . الثالث : أنه لما لم يكن العبد موجدا للايمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى ، وذلك لأن المستقل بإيجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده ، ولا نرى في الدنيا عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الايمان والمعرفة والحق ، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو / الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ ، فإذا كان العبد موجدا لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق ، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق ، فإذا كان الايمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بإيجاده ، فبأن يكون الجهل الذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع بإيجاده وتكوينه كان ذلك أولى . والحاصل أن الشبهة في أن الايمان واقع بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته ، فلما بين تعالى في الايمان أنه من اللَّه ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه ، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا . أما ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . فالجواب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى اللَّه ، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء ، بل إنما فصل بينهما رعاية الأدب ، فكذا هاهنا ، فإنه يقال : يا مدبر السماوات والأرض ، ولا يقال يا مدبر القمل والصئبان والخنافس ، فكذا هاهنا . الثاني : أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول إبراهيم : هذا رَبِّي * أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الإنكار ، كأنه قال : أهذا ربي ، فكذا هاهنا ، كأنه قيل : الايمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه ، بل من اللَّه ، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به البتة ، أفيدخل في العقل أن يقال : إنه وقع به ؟ فانا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الايمان ، والسيئة يدخل فيها الكفر ، أما قراءة من قرأ ( فمن تعسك ) فنقول : إن صح أنه قرأ بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه ، وإن لم يصح ذلك فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الإنكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الإنكار هذا الكلام ، لأنه لما أضاف السيئة إليهم في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار كان المراد أنها غير مضافة إليهم ، فذكر هذا القائل قوله : ( فمن تعسك ) لا على اعتقاد أنه من القرآن ، بل لأجل أنه يجري مجرى التفسير لقولنا : إنه استفهام على سبيل الإنكار ، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى اللَّه تعالى ، قوله تعالى بعد هذه الآية : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ ، وقد فعلت ذلك وما قصرت وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [ النساء : 166 ]