فخر الدين الرازي
137
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا هاهنا : المسألة الثانية : قوله : ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ فيه احتمالان : أحدهما : أن يكون التقدير : ذلك هو الفضل من اللَّه ، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل من اللَّه وأن ما سواه فليس بشيء ، والثاني : أن يكون التقدير : ذلك الفضل هو من اللَّه ، أي ذلك الفضل المذكور ، والثواب المذكور هو من اللَّه لا من غيره ، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ . ثم قال تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة اللَّه لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل ، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 71 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ( 71 ) واعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة اللَّه وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي تقدم ، لأنه أشق الطاعات ، ولأنه أعظم الأمور التي بها يحصل تقوية الدين فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الحذر والحذر بمعنى واحد ، كالأثر والأثر ، والمثل والمثل ، يقال : أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف ، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه ، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم ، هذا ما ذكره صاحب « الكشاف » . وقال الواحدي رحمه اللَّه فيه قولان : أحدهما : المراد بالحذر هاهنا السلاح ، والمعنى خذوا سلاحكم ، والسلاح يسمى حذرا ، أي خذوا سلاحكم وتحذروا ، والثاني : أن يكون خُذُوا حِذْرَكُمْ بمعنى / احذروا عدوكم لأن هذا الأمر بالحذر يتضمن الأمر بأخذ السلاح ، لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو ، فالتأويل أيضا يعود إلى الأول ، فعلى القول الأوّل الأمر مصرح بأخذ السلاح ، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : ذلك الذي أمر اللَّه تعالى بالحذر عنه ان كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر ، وان كان مقتضى العدم لا حاجة إلى الحذر ، فعلى التقديرين الأمر بالحذر عبث وعنه عليه الصلاة والسلام قال : « المقدور كائن والهم فضل » وقيل أيضا : الحذر لا يغني من القدر فنقول : ان صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع ، فإنه يقال : إن كان الإنسان من أهل السعادة في قضاء اللَّه وقدره فلا حاجة إلى الايمان ، وان كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الايمان والطاعة ، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية ، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الأمر بالحذر أيضا داخلا في القدر ، فكان قول القائل : أي فائدة في الحذر كلاما متناقضا ، لأنه لما كان هذا الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر . المسألة الثالثة : قوله : فَانْفِرُوا يقال : نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا للحرب ، واستنفر الامام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم اليه ، ومثله قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « وإذا استنفرتم فانفروا » والنفير اسم للقوم الذين ينفرون ، ومنه يقال : فلان لا في العير ولا في النفير ، وقال أصحاب العربية : أصل هذا الحرف من النفور والنفار وهو الفزع ، يقال نفر اليه إذا فزع اليه ، ونفر