فخر الدين الرازي

138

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

منه إذا فزع منه وكرهه ، ومعنى الآية فانفروا إلى قتال عدوكم . المسألة الرابعة : قال جميع أهل اللغة : الثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة ، وأصلها من : ثبيت الشيء ، أي جمعته ، ويقال أيضا : ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه ، وتأويله جميع محاسنه ، فقوله : فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً معناه : انفروا إلى العدو إما ثبات ، أي جماعات متفرقة ، سرية بعد سرية ، وإما جميعا ، أي مجتمعين كوكبة واحدة ، وهذا المعنى أراد الشاعر في قوله : طاروا اليه زرافات ووحدانا ومثله قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [ البقرة : 239 ] أي على أي الحالتين كنتم فصلوا . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 72 إلى 73 ] وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ( 72 ) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ( 73 ) [ في قوله تعالى وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ذكرهم اللَّه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ واختلفوا على قولين : الأول : المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . فان قيل : قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ تقديره : يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن ، فإذا كان هذا المبطئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ . والجواب من وجوه : الأول : أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط . الثاني : أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان . الثالث : كأنه قيل : يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [ الحجر : 6 ] . القول الثاني : أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين قالوا : والتبطئة بمعنى الإبطاء أيضا ، وفائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه . وحكى أهل اللغة أن العرب تقول : ما أبطأ بك يا فلان عنا ، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد ، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطئ عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد ، فإذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة ، وإن أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين . قال : وهؤلاء هم الذين أرادهم اللَّه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [ التوبة : 38 ] قال : والذي يدل على أن المراد بقوله : لَيُبَطِّئَنَّ الإبطاء منهم لا تثبيط غيرهم ، ما حكاه تعالى من قولهم : يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ عند الغنيمة ، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى . وطعن القاضي في هذا القول وقال : انه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين : قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً فيعد قعوده عن القتال نعمة من اللَّه تعالى ، ومثل هذا الكلام / انما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين ، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم : كَأَنْ لَمْ تَكُنْ