فخر الدين الرازي

369

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والقول الثاني : أن المراد بهذا الذكر ذكر اللّه بالثناء والتعظيم والإجلال ، وذلك لأن من أراد أن يسأل اللّه مسألة ، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على اللّه ، فهنا لما كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا عليه الثناء على اللّه تعالى ، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن الذنوب . ثم قال : فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ والمراد منه الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح ، وهو الندم على فعل ما مضى مع العز على ترك مثله في المستقبل ، فهذا هو حقيقة التوبة ، فأما الاستغفار باللسان ، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب ، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ، ولإظهار كونه منقطعاً إلى اللّه تعالى ، وقوله : لِذُنُوبِهِمْ أي لأجل ذنوبهم . ثم قال : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ والمقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرة إلا منه ، وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة ، فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه ، فصح أنه لا يجوز طلب الاستغفار إلا منه . ثم قال : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا واعلم أن قوله : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والتقدير : فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا . وقوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ فيه وجهان : الأول : أنه حال من فعل الإصرار ، والتقدير : ولم يصروا / على ما فعلوا من الذنوب حال ما كانوا عالمين بكونها محظورة محرمة لأنه قد يعذر من لا يعلم حرمة الفعل ، أما العالم بحرمته فإنه لا يعذر في فعله البتة . الثاني : أن يكون المراد منه العقل والتمييز والتمكين من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاث » . ثم قال : أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ والمعنى أن المطلوب أمران : الأول : الأمن من العقاب وإليه الإشارة بقوله : مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ والثاني : إيصال الثواب اليه وهو المراد بقوله : جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ثم بين تعالى أن الذي يحصل لهم من ذلك وهو الغفران والجنات يكون أجراً لعملهم وجزاء عليه بقوله : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ قال القاضي : وهذا يبطل قول من قال إن الثواب تفضل من اللّه وليس بجزاء على عملهم . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 137 إلى 138 ] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 137 ) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 138 ) اعلم أن اللّه تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران والجنات ، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : أصل الخلو في اللغة الانفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه ، وكذا الأمم الخالية ، وأما السنة فهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع ، وفي اشتقاق هذه اللفظة وجوه : الأول : أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه ، والسن الصب للماء ، والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فإنه لتوالي أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشئ الواحد ، والسنة فعلة بمعنى مفعول ، وثانيها : أن تكون من سننت