فخر الدين الرازي
370
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
النصل والسنان أسنه سنا فهو مسنون إذا حددته على المسن ، فالفعل المنسوب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم سمي سنة على معنى أنه مسنون ، وثالثها : أن يكون من قولهم : سن الإبل إذا أحسن الرعي ، والفعل الذي داوم عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم سمي سنة بمعنى أنه عليه الصلاة والسلام أحسن رعايته وإدامته . المسألة الثانية : المراد من الآية : قد انقضت من قبلكم سنن اللّه تعالى في الأمم السالفة ، واختلفوا / في ذلك ، فالأكثرون من المفسرين على أن المراد سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى : فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ وذلك لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها ، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة عليهم ، فرغب اللّه تعالى أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإيمان باللّه ورسله والإعراض عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه ، وقال مجاهد : بل المراد سنن اللّه تعالى في الكافرين والمؤمنين ؛ فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر ، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ، والكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا والعقاب في العقبى ثم إنه تعالى قال : فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر ، وأيضاً يقال الغرض منه زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يعرف بتأمل أحوال المكذبين والمعاندين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 171 - 173 ] وقوله : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * [ الأعراف : 128 ، القصص : 83 ] وقوله : أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء : 105 ] . المسألة الثالثة : ليس المراد بقوله فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا الأمر بذلك لا محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم ، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلًا ، ولا يمتنع أن يقال أيضاً : إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر : إن آثارنا تدل علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار ثم قال تعالى : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ويعني بقوله : هذا ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده وذكره لأنواع البينات والآيات ، ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى وبين الموعظة ، لأن العطف يقتضي المغايرة فنقول فيه وجهان : الأول : أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة ، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان ، وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي . وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين ، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان : أحدهما : الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى . الثاني : الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة . الوجه الثاني : أن البيان هو الدلالة ، وأما الهدى فهو الدلالة بشرط كونها مفضية إلى الاهتداء ، وقد تقدم هذا البحث في تفسير قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] في سورة البقرة . المسألة الرابعة : في تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين وجهان : أحدهما : أنهم / هم المنتفعون به ، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة ونظيره قوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] وقد تقدم تقريره في تفسير قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الثاني : أن قوله : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ