فخر الدين الرازي

445

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

التمثيل لا على أن ثم أطواقا ، يقال منه : فلان كالطوق في رقبة فلان ، والعرب يعبرون عن تأكيد الزام الشيء بتصييره في العنق ، ومنه يقال : قلدتك هذا الأمر ، وجعلت هذا الأمر في عنقك قال تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [ الإسراء : 13 ] . القول الرابع : إذا فسرنا هذا البخل بالبخل بالعلم كان معنى سَيُطَوَّقُونَ أن اللّه تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار ، قال عليه الصلاة والسلام : « من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه اللّه بلجام من النار يوم القيامة » والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق . واعلم أن تفسير هذا البخل بكتمان دلائل نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم غير بعيد ، وذلك لأن اليهود والنصارى موصوفون بالبخل في القرآن مذمومون به . قال تعالى في صفتهم : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً [ النساء : 53 ] وقال أيضا فيهم : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ * [ النساء : 37 ] وأيضا ذكر عقيب هذه الآية قوله : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [ آل عمران : 181 ] وذلك من أقوال اليهود ، ولا يبعد أيضا أن تكون الآية عامة في البخل بالعلم ، وفي البخل بالمال ، ويكون الوعيد حاصلا عليهما معا . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد الفساق ، وذلك لأن من يلزمه هذه الحقوق ولا تسقط عنه هو المصدق بالرسول وبالشريعة ، أما قوله : بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ فلأنه يؤدي إلى حرمان الثواب وحصول النار ، وأما قوله : سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فهو صريح بالوعيد . واعلم أن الكلام في هذه المسألة تقدم في سورة البقرة . ثم قال تعالى : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وفيه وجهان : الأول : وله ما فيها مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله ، ونظيره قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] والثاني : وهو قول الأكثرين : المراد أنه يفنى أهل / السماوات والأرض وتبقى الاملاك ولا مالك لها إلا اللّه ، فجرى هذا مجرى الوراثة إذ كان الخلق يدعون الاملاك ، فلما ماتوا عنها ولم يخلفوا أحدا كان هو الوارث لها ، والمقصود من الآية أنه يبطل ملك جمع المالكين إلا ملك اللّه سبحانه وتعالى ، فيصير كالميراث . قال ابن الأنباري : يقال : ورث فلان علم فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركا فيه ، وقال تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [ النمل : 16 ] وكان المعنى انفراده بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركا له فيه وغالبا عليه . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بما يعملون بالياء على المغايبة كناية عن الذين يبخلون ، والمعنى واللّه بما يعملون خبير من منعهم الحقوق فيجازيهم عليه ، والباقون قرءوا بالتاء على الخطاب ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية خطاب وهو قوله : وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ آل عمران : 179 ] واللّه بما تعملون خبير فيجازيكم عليه ، والغيبة أقرب اليه من الخطاب قال صاحب الكشاف : الياء على طريقة الالتفات وهي أبلغ في الوعيد . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 181 إلى 182 ] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) [ في قوله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ]